![]()
جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … بدلا من أن تكون الصحافة شريكا فاعلا في البناء الديمقراطي وجهازا محايدا في التتبع والمراقبة والتصحيح موازاة مع نقل الخبر الذي هو فعل مسؤول يحمل التزاما أخلاقيا واجتماعيا تجاه المجتمع ناقلا لمعاناة الناس التي يجب على المسؤولين التفاعل معها والتجاوب مع المشكلات عوض الانزعاج منها بحيث أن السلطة الرابعة يفترض أن تحقق الشفافية وتكشف الحقائق دون تضليل أو تمويه للرأي العام ، بحيث يلتزم فيه العامل في القطاع ببأخلاقيات المهنة مثل احترام الخصوصيات والحدود القانونية واتباع الدقة في التحريات والعمل على بناء الثقة بين الإعلام والمسؤولين وكل الاطراف المعنية ، بعيدا عن الخلافات الضيقة والامور الخاصة التي يمكنها أن تعصف بمبادئ المنظومة وأسسها وأهدافها السامية ودورها في التوجيه والتصحيح ومكانتها بين السلط الأخرى وقيمتها في المجتمع الذي تساهم في توعيته وتنويره والرقي بمستوى الوعي لديه وخلق إضافة نوعية على المستوى الاجتماعي والثقافي والحضاري والسياسي وغير ذلك من مناحي الحياة والتي أصبحت تلتقي فيما بينها وتتقاطع على شكل شبكة عنكبوتية خيوطها تؤدي إلى نفس مركز الهدف الذي تروم إليه جميع افعال التلاقي الإيجابي و البناء السديد والتعاون والتكامل لتحقيق تناغم اوفر ونتائج أكثر إيجابية بالنسبة للمنظومة الإعلامية وباقي المجالات الاخرى والتي يجب ان تصب كلها في المصلحة العامة للبلاد .
إلا أن بعض الاحداث التي استفحلت قوتها مؤخرا وتحولت من مغامرة خفية لجأت إليها مؤسسات إعلامية وصحافية مسؤولة ، وبعد ان كانت تظهر فيما قبل على صورة وقائع شاذة ، عدت ككبوات عابرة يتم مسحها من الذاكرة السمحة للمواطنين المغاربة ، على أساس انها هفوات يمكن تجاوزها ، مادامت غير مقصودة أو مبيتة … لتتحول بقوة أشخاص طفح بهم السيل فسادا وتسلطا وجبروتا ، إلى مقامرة بكل ما كانوا يمتلكونه من قيمة ووزن ماديين ومعنويين والتضحية به للعب على طاولة القمار ، لكن تبين خلال هذه الاحداث الاخيرة ان هذه التصرفات التي اتخذها بعض المسؤولين على أنها مغامرة محسوبة تنطوي على نيات مشبوهة قام الزمن بفضحها ، حسبما يقول المثل العامي المغربي ” صياد النعام يلقاها يلقاها” وجاءت نتسجتها كارثية بعد اعتمادهم على الرقم الخطأ ، والمشكل أن الخسارة كانت فادحة بعد دفعهم بكل مستحقاتهم وما ملكت أيمانهم وجمعوه من رصيد طيلة اعمارهم المهنية ، ليخسروا ما امامهم وما خلفهم من حصيلة لا يعلمها إلا الله ، لينفضح أمرهم فيما ظهر في كارثة إحدى التسجيلات بالصوت والصورة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وطنيا ودوليا ، انتشار النار في الهشيم ، وأعني بذلك ملف اللجنة الاخلاقية للمجلس الوطني للصحافة المبجل ، التي أظهرت عن مستوى مهني واخلاقي منحط جدا ، تسبب في تلطيخ سمعة المنظومة الصحافية بامتياز ، وإظهارها للعلن والرأي العام والمسؤولين ذوي الاختصاص والمعنيين ، ومن خلالها تم الوقوف على حقائق أمور الفساد المستشري بقوة في بعض المؤسسات المسؤولة والحساسة في الدولة وعلى رأسها مؤسسة السلطة الرابعة ، التي فضل مسؤولوها اعتماد المغامرة والمقامرة التي جمعت لهم ” حب وتبن” حسبما يقول المثال العامي المغربي ، وتبين جليا ضرورة التدخل الحاسم وإصدار القرار المناسب ، للإرشاد والتوجيه وربط المسؤولية بالمحاسبة وردع كل صور الفساد ، بغية الحفاظ على ماء وجه هذا القطاع وقطاعات أخرى تم المساس بها من طرف هذا المجلس ، و حتى يتم الإصلاح وضمان الأمن والأمان الماديين والمعنويين ، خدمة لإنجاح مخططات الدولة وما تسطره مؤسساتها العليا وعلى رأسها جلالة الملك محمد السادس ، والسياسات التي يراها صالحة للرفع من مستوى التنمية على جميع الأوجه ، وفي جميع المجالات خدمة للبلاد والعباد ، ورغبة في تطوير طرق العمل التي يجب اتباعها بكل جدية على أمل تكريس إيجابياتها التي بإمكانها أن تضمن للمغرب بمؤسساته ومواطنيه ما يناسب تطلعات هذا البلد وملكه وشعبه ، وتعزيز مكتسباتنا وتحقيق آمالنا في الحفاظ على هويتنا وقيمنا واحترام رموزنا ومرتكزاتنا ، وتعايش فئاتنا الاجتماعية في إطار التعاون والتآزر والتكامل وتبادل الثقة والاحترام .
فمغرب اليوم لم يعد في حاجة إلى مثل هؤلاء الأشخاص العبثيين الذين تمكنوا من الاستحواذ على مناصب في غاية الأهمية بدون مشروعية ديمقراطية ولسنوات طويلة ، ليتحكموا في دواليبها ويعبثوا بمصير مؤسساتها ومواطنيها وتكريس أوجه الفساد فيها حسب المزاج ، والتضييق على مناضليها والاستبداد بهم وإثقال كاهلهم بشتى طرق الضغط والتهديد والابتزاز ، لإضعاف شوكتهم والسيطرة على الخطوط التحريرية عبر إغلاق صنابير التمويل أو ضخ اموال إضافية ، واستغلال الإعلام كسلاح للتأثير على الرأي العام ، بدلا من قيامه بدور الرقابة والتتبع والرصد ، فيتم الزج بجيوش الصحافة والإعلام في متاهات فارغة ودفعهم الى اللجوء الى بيع ذممهم والرضوخ لنزوات واوامر أصحاب الأمر ، الذين يتحكمون في تسيير منابر اعلامية فاسدة ، ليدخل الجميع في سياقات تتحول إلى جبهات لحروب اهلية أو صراعات طائفية ، فتؤول الى متاريس سياسية بدلا من جهات مهنية مسؤولة وواعية بالدور المنوط بها .
الأمر الذي سيعيق سير العمل الصحفي والاعلامي ويزيغه عن مساره الحقيقي ، ويجعله يفقد كامل مصداقيته وقيمته والثقة المعهودة فيه مما سيؤدي بدوره الى انقسام مكوناته وانتشار الكراهية او الدعاية ، مع تهميش التحقيقات الاستقصائية الجادة ، والاكتفاء بالعمل الارتجالي والعبثي ، مما سيؤدي بدوره إلى مواقف سلبية تهدد مصير الصحافة والإعلام وتحكم عليه بالعدمية ، وبالتالي يتسرب الوباء إلى جميع القطاعات ذات الصلة ، ويصبح السقوط أكيدا وتحصيل حاصل فبلدنا العزيز ليس رهينا بالمغامرة بمصيره ولا هو للمقامرة بقيمته ووزنه ورمزيته … فكفى عبثا بمصير البلاد والعباد ، ولنربط المسؤولية بالمحاسبة ، كما جاء في تعليمات ملك البلاد ، ولنأخذ الامور بكل جدية ، وليتحمل كل مسؤول مسؤوليته ليكون عبرة لمن يعتبر … وللحديث بقية …











