![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … فعلا في السنوات الأخيرة ، لاحظنا أن الروبوت الصيني بدأ يقتحم المصانع ويهدد بإعادة رسم خريطة العمالة العالمية من «عامل آلي» إلى قوة إنتاج جديدة… فهل يستعد المغرب لعصر ما بعد اليد العاملة الرخيصة؟
لم تعد الثورة الروبوتية مجرد مشاهد مستقبلية من أفلام الخيال العلمي. فالصين تدفع بسرعة كبيرة نحو تحويل الروبوتات من آلات متخصصة داخل المصانع إلى قوة إنتاجية واسعة الانتشار، في تطور قد يعيد تشكيل الصناعة العالمية وسوق العمل خلال السنوات المقبلة.
وتكشف أحدث الأرقام أن الصين أصبحت بلا منازع أكبر سوق للروبوتات الصناعية في العالم. ففي عام 2024 وحده استحوذت على 54% من عمليات تركيب الروبوتات الصناعية عالمياً، بما يقارب 295 ألف روبوت، بينما بلغ مخزون الروبوتات الصناعية العاملة في مصانعها حوالي 2.03 مليون روبوت.
لكن التطور الأكثر إثارة لا يتعلق بالروبوتات الصناعية التقليدية فقط، وإنما بالجيل الجديد من الروبوتات الشبيهة بالبشر التي تستطيع المشي، والإمساك بالأشياء، والتعرف على محيطها، وتنفيذ سلسلة من المهام اعتماداً على الذكاء الاصطناعي.
الصين تنتقل من تصنيع الروبوت إلى تصدير «عامل آلي»
الصين لا تريد أن تكون مجرد مستورد للروبوتات، بل تسعى إلى بناء صناعة متكاملة تشمل التصميم والرقائق والمحركات وأجهزة الاستشعار والبطاريات والذكاء الاصطناعي والتصنيع النهائي.
وفي هذا المجال برزت شركات صينية مثل أجيبوت ويونيتري وأصبحت تنافس بقوة في سوق الروبوتات الشبيهة بالبشر.
وفي شهر غيت 2026، أعلنت شركة يونيتري الصينية تسعير طرحها العام الأولي في بورصة شنغهاي بقيمة سوقية تقارب 9 مليارات دولار، في خطوة جعلتها أول شركة صينية مصنعة للروبوتات الشبيهة بالبشر تُدرج في البر الرئيسي الصيني. كما ارتفعت إيراداتها في 2025 إلى نحو 1.7 مليار يوان، أكثر من أربعة أمثال العام السابق.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الصين تصنع بالفعل الجزء الأكبر من الروبوتات الشبيهة بالبشر في العالم، بينما تتوقع بعض التقديرات أن يرتفع إنتاجها السنوي من نحو 12 ألف روبوت في 2025 إلى مئات الآلاف سنوياً بحلول 2030.
لماذا تراهن الصين على الروبوتات؟
هناك ثلاثة أسباب استراتيجية واضحة:
أولاً: الديموغرافيا.
الصين تواجه شيخوخة سكانية وتراجعاً في حجم القوة العاملة، وبالتالي تستطيع الروبوتات تعويض جزء من النقص في العمالة.
ثانياً: رفع الإنتاجية.
الروبوت يستطيع العمل لساعات طويلة وبسرعة ثابتة، خصوصاً في المهام المتكررة والدقيقة والخطرة.
ثالثاً: الحفاظ على القدرة التنافسية للصناعة الصينية.
وهذه النقطة بالذات هي الأخطر بالنسبة للدول التي اعتمدت تاريخياً على انخفاض تكلفة اليد العاملة لجذب الاستثمارات الأجنبية.
فإذا أصبحت الآلة الصينية قادرة على القيام بجزء متزايد من المهام التي يؤديها العامل، وأصبحت تكلفتها منخفضة بما يكفي، فقد تتغير المعادلة الاقتصادية العالمية.
لكن السؤال الأكثر طرحا وخطورة هو ، هل سيحل الروبوت محل الإنسان؟
حسب رأي متخصصين في المجال ، ليس بهذه السرعة ، لأن الروبوتات الحالية ما زالت تواجه مشاكل كبيرة في السلامة والمرونة وفهم البيئات المعقدة والتعامل مع الحالات غير المتوقعة. وحتى الدراسات الحديثة حول الروبوتات الصناعية الشبيهة بالبشر تشير إلى أن السلامة واعتماد معاييرها التنظيمية لا تزال من التحديات الأساسية أمام استخدامها على نطاق واسع.
لكن الخطر الحقيقي ليس أن تختفي الوظائف غداً ، الخطر هو أن يبدأ التحول تدريجياً على الصورة الأكثر طرحا والآتي توضيحها ، 10 عمال + روبوتات ، 7 عمال + روبوتات ، 5 عمال + روبوتات ، ثم عاملون متخصصون يشرفون على منظومة آلية كاملة.
وعندها لن يكون السؤال «هل سيأخذ الروبوت وظيفة الإنسان؟» بل «كم إنساناً سيحتاج المصنع لإنتاج ما كان يحتاج إلى مئات العمال لإنتاجه؟»
والمغرب أمام مفترق طرق ، بحيث أن هذه المسألة مهمة جداً بالنسبة إليه ، لأن المملكة بنت خلال السنوات الأخيرة جزءاً مهماً من استراتيجيتها الصناعية على جذب الاستثمارات في قطاعات مثل السيارات والطيران والإلكترونيات والصناعات المرتبطة بالطاقة ، وهذه الصناعات نفسها هي من أكثر المجالات القابلة للأتمتة ، وهنا تظهر مفارقة أن الروبوتات قد تساعد المغرب على رفع إنتاجية مصانعه، لكنها قد تقلل في الوقت نفسه عدد الوظائف التي كان يمكن لهذه المصانع خلقها.
وبالتالي فإن المغرب لا يستطيع أن ينافس الصين أو أوروبا مستقبلاً فقط على أساس أن لدينا يد عاملة أقل تكلفة.
فالمعادلة الجديدة ستكون أن العامل المغربي + الذكاء الاصطناعي + الروبوت + التكوين التقني يساوي صناعة تنافسية ، أما الاعتماد على اليد العاملة منخفضة الأجر وحدها فقد يصبح نموذجاً أقل جاذبية مع انخفاض أسعار الروبوتات.
لكن الخطر الأكبر سيكون على إفريقيا بحيث سيكون التأثير على هذه القارة أكبر من تأثيره على الدول الصناعية المتقدمة.
فالكثير من الدول الإفريقية تراهن على التصنيع باعتباره وسيلة لخلق ملايين الوظائف للشباب ، لكن إذا أصبحت المصانع الصينية قادرة على إنتاج السيارات والإلكترونيات والآلات باستخدام نسبة أكبر من الروبوتات، ثم تصدير هذه المنتجات إلى إفريقيا بأسعار تنافسية، فقد تجد بعض الدول الإفريقية نفسها أمام معادلة صعبة بحيث تريد التصنيع لتوفير الوظائف، لكنها تواجه منتجات مصنعة آلياً وبأسعار منخفضة.
وهنا يمكن أن تتحول الثورة الروبوتية إلى قضية تنموية واجتماعية وسياسية، وليست مجرد قضية تكنولوجية.
كما أن أوروبا أيضاً ليست بمنأى عن الخطر لأنها تواجه مشكلة مزدوجة تتمثل في ارتفاع تكلفة العمالة من جهة، وشيخوخة السكان من جهة أخرى ، لذلك يمكن أن تكون الروبوتات بالنسبة إليها وسيلة للحفاظ على القدرة الإنتاجية.
لكن في المقابل، إذا أصبحت الصين المنتج الأكبر للروبوتات والمعدات الصناعية، فقد تجد أوروبا نفسها أمام منافسة مزدوجة كمنتجات صينية أرخص بالإضافة إلى آلات صينية أرخص ، وهذا قد يفرض على الصناعات الأوروبية تسريع الأتمتة والاستثمار في الذكاء الاصطناعي حتى لا تفقد قدرتها التنافسية.
لكن الاستراتيجية الأخطر تكمن في الهدف الكبير الذي تخطط له الصين في التحول من «مصنع العالم» إلى «مصنع المصانع» فالصين لم تعد تكتفي بتصدير السلع الاستهلاكية. فهي تتوسع أيضاً في تصدير الآلات والمعدات والروبوتات والمكونات الصناعية التي تحتاجها المصانع نفسها ، وهذا يعني أن الصين يمكن أن تنتقل تدريجياً من مفهوم «مصنع العالم» إلى «مصنع المصانع في العالم».
وتشير تقارير حديثة إلى توسع الشركات الصينية في تصدير المعدات الرأسمالية والروبوتات والآلات الدقيقة إلى أسواق مختلفة، بما يعزز المنافسة مع ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها.
فماذا يجب أن يفعل المغرب في هذا الصدد ؟
ليس الحل في مقاومة الروبوتات؛ فهذا سيكون أشبه بمحاولة مقاومة الحاسوب أو الإنترنت ، والحل هو امتلاك التكنولوجيا واستخدامها لصالح العامل المغربي ، ويحتاج المغرب، في تقدير مختصين في المجال ، إلى خمسة تحولات نسردها كالتالي ، إدخال الروبوتات والذكاء الاصطناعي بقوة في التكوين المهني ، تكوين تقنيين مغاربة في البرمجة والصيانة والروبوتات الصناعية ، تشجيع تصنيع أجزاء الروبوتات محلياً، وليس الاكتفاء باستيرادها ، تحويل العامل من منفذ للمهام المتكررة إلى مشغل ومراقب للأنظمة الذكية ثم ربط الاستثمار الصناعي بخلق وظائف ذات قيمة مضافة، وليس فقط بعدد الوظائف.
فالهدف ليس أن يكون المغرب بلداً بلا عمال، وإنما أن يصبح بلداً يمتلك عمالاً أكثر مهارة يعملون إلى جانب الآلات الذكية.
وكخلاصة لما تم ذكره وتحليله ، فالثورة المقبلة لن تكون ببساطة ثورة «الروبوت ضد الإنسان» إنها ستكون صراعاً بين نماذج اقتصادية ، الدول التي تمتلك الروبوت والذكاء الاصطناعي والرقائق والبيانات والمهارات ستنتج أكثر وبكلفة أقل أما الدول التي تظل تعتمد فقط على انخفاض تكلفة اليد العاملة فقد تجد نفسها أمام سؤال صعب وهو ماذا سيحدث عندما تصبح الآلة أرخص من العامل؟
بالنسبة للصين، يبدو أن الاستعداد لهذا المستقبل قد بدأ بالفعل ، أما بالنسبة للمغرب وإفريقيا، فإن السؤال لم يعد هل ستصل الروبوتات إلينا؟ بل ، هل سنكون نحن من يصنعها ويبرمجها ويشغلها… أم سنكتفي باستيرادها واستخدامها؟
لهذا فعجلة التقدم تسير بسرعة فائقة جدا ، فهل سيتمكن المغرب من اللحاق بها والسير في صفوف الدول التي تعتمد نهج تطوير صناعاتها ومجتمعاتها وتنمية بلادها لتحصل على نصيبها من التقدم والاستقلالية ؟ أم أننا سنبقى نتخبط في متاهات مقصودة يختلقها بعض الانتهازيين من لوبيات المال والأعمال لخدمة مصالحهم ومصالح ذويهم ومواليهم الخاصة ، بعيدا عن مصالح البلاد والعباد ؟ … وللحديث بقية …










