الراقصة البريئة والشيخ المظلوم

إدارة الموقع28 أبريل 2021Last Update :
الراقصة البريئة والشيخ المظلوم

Loading

جريدة النشرة : د. أبو المجد عبد الجليل

الرقص ظاهرة اجتماعية قديمة. فمنذ بداية كتابة التاريخ كانت النقوش والرسومات على جدران الكهوف تجسد الرقص النسائي الذي  كان يعبر عن نوع من التعبد  والتقرب للآلهة طلبا للمطر أو المحصول  الزراعي الجيد. وكانت النساء تؤدي هذه الرقصات وهن رمز الخصوبة والحمل والولادة كنوع من التضرع للآلهة. 

ويذكر كثير من المؤرخين أن ما تقوم به الراقصات الآن يشبه كثيرا حركات الكاهنات في المعابد  الدينية القديمة.  وفي هذا السياق كتب المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت (1885-1981)  في كتابه (قصة الحضارة)  “بينما كان اليونانيون القدماء يتقربون لآلهتم بالبكاء والتضرع، كان المصريون يتقربون لآلهتهم بالرقص والغناء”. 

ومع تقدم المجتمعات البشرية تطور الرقص وأصبحت له مدارس ونواد يرتادها محبو الرقص لممارسة هوايتهم دون الحاجة إلى مناسبة معينة. كما انتقلت بعض الرقصات من المحلية إلى العالمية.

وعلى الرغم من التاريخ الطويل للرقص وارتباطه بالوسط النسائي والأفراح، فما يزال في المجتمعات العربية والإسلامية  ينظر إليه-  بوجهٍ عامٍ – بازدراء وإساءة، لاسيما من قبل بعض المتشددين  الذين  حرموا الرقص وشبهوا  المرأة الراقصة بالأفعى!

ومن المعروف أن المغرب غني بالأهازيج والرقصات الشعبية، منها رقصة الشيخات التي تتميز بحركات الورك الحسية، والتي غالبا ما ترتدي النساء وشاح الورك للفت الانتباه إلى حركات الجزء السفلي من الجسم النسائي.

ومن أشهر الراقصات حاليا  بالمغرب الراقصة الشعبية، فاطمة الزهراء، المعروفة ب”الشيخىة طراكس”  التي  دخلت  عالم الرقص  مكرهة لتكسب لقمة عيشها بعد معاناة  طويلة في مجتمع متحول لا يرحم، حيث عانت كثيرا بوسط أسرتها بسبب اختلافها وإصرارها  على استقلاليتها و عانت في زواجها، إذ طلقت من زوجها ثلاث مرات بالرغم من علمها بخيانته لها، وعملت منظفة منازل وهي حامل وكانت تقوم بعملها بإتقان حتى تكسب ود وعطف العائلة المشغلة وتكسب من عرق جبينها، وتضمن  العيش الكريم  لأسرتها. وفي لقاءاتها مع الصحافة تظهر عليها بعض البراءة والعفوية والصدق والأنوثة الطاغية.

لكن في الآونة الاخيرة قامت  الراقصة الشعبية  فاطمة الزهراء بإثارة الجدل من جديد بنطقها،  بطريقة خاطئة، اسم  الفقيه ابن  تيمية وأصرت عدة مرات  أن اسمه هو” ابن تميمية”  بدل “ابن تيمية” المعروف في العالم الإسلامي بشيخ الإسلام، كما أضافت من خلال تصريح جديد أن الفضل في شهرة الفقيه يعود إليها، وقالت الراقصة ، في محاورة هاتفية مع أحد معجبيها، ضمن إطلالتها اليومية عبر صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي، إن “ابن تيمية لو كان حيا لجاء لتقبيل رأسها” قائلة بالدارجة المغربية أنه “ما كانشي معروف وانا اللي درت ليه البوز”.

هذا الموضوع أثار جدلا واسعا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وانقسمت حوله الآراء بين مؤيد ورافض لما قامت به  الراقصة “الطراكس”  بذكرها  اسم أحد كبار فقهاء الإسلام وأحد رموز السلفية قديما وحديثا، حيث اعتبر البعض أن “الطراكس” إنسانة مؤمنة وصادقة مع نفسها، وأنها خلال شهر رمضان تتضرع  إلى الله ،ولها الحق في استفسار مناقشة بعض الأمور البسيطة ذات الصلة بالدين، وربما قد يكون ذلك سببا في هدايتها وعودتها إلى جادة الصواب.

أما البعض الآخر من المتابعين، فقد اعتبر ما حصل تطاولا خطيرا على الدين ورموزه من قبل راقصة تثير الغريزة بجسدها وبشطحاتها، وأنها لجأت إلى مثل هكذا خرجات  كتجارة بالدين من أجل رفع عدد مشاهديها ومتابعيها على قناتها في منصة يوتيوب،  لاسيما في ظل هذه الظروف الصعبة  التي تمر منها دول العالم مع جائحة كورونا.

وبعد الضجة التي أثارها نشرها لفيديوهات تضم أخطاء بخصوص الفقيه المظلوم والحملة الهوجاء والمسعورة ضدها، وجدت الراقصة الشعبية نفسها مضطرة للاعتذار. وحسنا فعلت، فالاعتراف بالخطأ فضيلة، والاعتذار عنه فضيلة أخرى.

وإذا كانت حياة الراقصة مليئة بالأحداث القاسية، فإن المحن والصعوبات التي واجهت ابن تيمية من طراز خاص، حيث لا نظير لها في تاريخ محن الفقهاء، ذلك أن حياة ابن تيمية ، من أولها إلى آخرها ، كانت عبارة عن محنة مستمرة، فقد ظل طوال حياته ينتقل من محنة لأخرى، ومن ابتلاء لآخر، ومن سجن لآخر، ومن الشام لمصر، ومن حاسد وحاقد من داخل الصف السني.

ويلاحظ في الوقت الراهن تزايد النقاش، وأحيانا الجدل البيزنطي، حول ابن تيمية، على صفحات التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية، وظهرت عصبيات الجدل كما هي عادة غالبية النقاش، ومن الطبيعي أن المدافعين عن ابن تيمية هم الأكثر عددا وامتلاكا للمساحات الإعلامية في فضائنا العربي الإسلامي، مع مساحة لا بأس بها لمن يهاجمه، أحيانا  ظلما بأقسى أنواع الهجوم.

ومن المعروف أن الفقيه الحنبلي ابن تيمية لم يكن فقيها فحسب، ولكنه كان موسوعة فكرية وعلمية رائعة: أجاد علوم الحديث والعقيدة وأصول الفقه والفلسفة والمنطق وعلم الفلك، واشتهر عنه البراعة في شرح الجبر والرياضيات. 

وما زال اليوم ابن تيمية حاضرا بقوة في العالم الإسلامي، وخاصة بعد إعادة الاهتمام بفكره منذ بداية القرن الماضي، وأصبح ابن تيمية في القرن الواحد والعشرين يمتلك شهرة عالمية من طنجة بالمغرب إلى جاكرتا بإندونيسيا. كما لايزال تراث ابن تيمية موضوع البحث والدراسات في أرقى الجامعات الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة الامريكية التي تتوفر على وثائق ومنسوخات نادرة للفقيه، في حين أن بعض الدول العربية  تضيق على كتبه في المعارض والمكتبات العمومية، بل وصل الأمر إلى حد الدعوة إلى منع كتبه. 

ففي الأردن مثلا، منعت كتبه بعد حادثة قتل الطيار الأردني “معاذ الكساسبة”، حيث برر التنظيم  الإرهابي داعش حرق الطيار بفتوى لابن تيمية.

ولا يخفى تأثير ابن تيمية على بعض التيارات  المتشددة في العصر الحديث، حيث يتم انتزاع أفكاره من كتبه، واستخدامها وتوظيفها  أسلحة في أحيان كثيرة، لتبرير بعض أعمال العنف والتكفير، بينما هي جزء من اجتهاداته في المعارك التي خاضها ضد التتار، وأنها لا تمثل سوى قشور هذا التراث.

 وعموما، قد تتفق أو تختلف مع ابن تيمية ، فما هو إلا عالم من علماء الإسلام المجتهدين، يصيب ويخطئ، ويقترب من الحق ويبتعد، ولكل متخصص الحق في مناقشته والرد عليه ونقد كلامه.

وباختصار، فإن الجدل حول الفقيه الذي ملأ الحياة من حوله ضجيجا وزحاما واضطرابا بآرائه واقتحاماته الفكرية مازال محتدما.

 و لقد وصف الكاتب والروائي اليساري المصري الراحل عبد الرحمان الشرقاوي (1920- 1987) هذه المرحلة الشاقة من حياة ابن تيمية في كتابه (ابن تيمية الفقيه المعذب) قائلا: ” عاش حياة منتقضة متوترة من المعارك المتصلة ، حارب فيها بالقلم، وباللسان، وحتى بالسيف نفسه. وكانت معاركه تهدأ في بعض الأحايين، ولكنها لم تنقطع قط“.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News