شيء يخصني … فهل يخصك أنت أيضا؟ – الجزء الثالث –

إدارة الموقع30 أكتوبر 2019Last Update :
شيء يخصني … فهل يخصك أنت أيضا؟ – الجزء الثالث –

Loading

جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا

بقية الحديث … وفي هذه الأجواء الطفولية العفوية المراقبة كنّا نتقمّص الأدوار ونكون شخصيتنا بالاحتكاك المباشر بالوضعيات المختلفة والمتنوعة التي كنّا تصادفها طيلة النهار والتي نستمد منها تجارب وفيرة عن قرب وفي خضم الواقع الذي يفرض نفسه مرارا وتكرارا بالتتبع والممارسة الفعلية … بحيث كنّا نسعد ونمرح بكل ما كنّا نجده من وسائل اللعب وآلياته التي كانت تتوفر لنا رغم قلتها ومحدوديتها وبساطتها والمتمثلة في بعض المجسمات الصغيرة المشكلة لسيارات وشاحنات ودمى … معدنية وبلاستيكية على اختلاف أشكالها وأحجامها وألوانها المتنوعة ، وكرات مستديرة هي أيضا تختلف عن بعضها في العديد من الصفات التي تخص كل فئة عمرية وترضي ميولها وقدرتها على استعمالها ومناولتها ، والتي كانت تعوض في حالة غيابها لسبب من الأسباب التي غالبا ما كانت قاهرة ومنها المادية وغيرها ، خاصة وأننا كنّا ننتمي إلى أسر بسيطة ، حتى نتجاوز وصفها بالأسر الفقيرة ، لأن جل هذه الأسر كانت تعتمد العيش البسيط المنبثق من القناعة والرضا والسير العادي للحياة ، غير بعيد عن طبيعتها كثيرا دون الاهتمام بواسائل الترف ، إلا نادرا ، مما كان يقصي مفهوم الفوارق الاجتماعية التي كانت قليلة الشيوع ، إن لم نقل ناذرة الإثارة ، بحيث كانت هذه الوسائل والإمكانيات المُضافة لا تبقى حكرا على أسرة معينة بصفتها مالكة لها وصاحبة الأمر وذات الصلاحيات الكبرى فيها … ، بل من العجيب في الأمر أن هذه الوسائل كانت بمثابة وسائل تشاركية في أقصى تجليات المفهوم وأرقى معانيه ، والتي قد يجدها الجيل الجديد غريبة عن مجتمعه الحاضر البريء منها والبعيد كثيرا عن أجوائها ومعانيها وفحواها وأهدافها الأخلاقية والانسانية ، إن لم نقل كليا ، في أحضان بعض طبقات هذا المجتمع المنسلخ عن أسلافه والتي لا يستطيع التعرف عليها إلا عن طريق الصدفة ، في بعض الصفحات والكتب والحكي الذي قد يسرده عليه أحد الأقارب وغيرهم ، ممن ينتمون إلى ذلك الجيل القديم المتآكلة ثقافته وعاداته البائدة، ذاك الجيل المنقرض الذي لم يكتف ، حسب أهل العهد الجديد ، بحقه في الحياة ليطمع بالمزيد ويعمر إلى غاية زمن هذا الجيل المعاصر ليضيق عليه ويصبح في نظره عبئا متعدد الجوانب ، يثقل كاهله ماديا وفكريا وبيولوجيا … نظرا لاندثار مثل هذه المظاهر الإنسانية من مجتمعنا الحالي ، مما يجعلها تدخل في طَي النسيان بسبب تطلعات أجيالنا الجديدة إلى حضارات المجتمعات الغربية البراقة والمغرية التي سلبت فكرهم وجعلتهم يغيرون مواقفهم بحجة أنهم وجدوا فيها ، ثقافة الغرب هذه ، نفسهم وضالتهم … وسنعود إلى ذلك بكل تدقيق لنوضح جليا مدى ارتباط الأسر المغربية السابقة ببعضها ومدى تعاونها وتكاملها وتماسكها فيما بينها والتي لم تكن تحصر مفهوم الانتساب إليها اعتمادا على صلة الدم والمصاهرة فقط وإنما كانت يحكى بصفة الانتساب إليها كل من الجيران وتجار الحي وحرفيين في علاقة عجيبة تربطهم مع بعضهم البعض بقوة ، بناء على الاحترام والمودة وحب الخير لبعضهم اتباعا للمثل القائل ” رب أخ لم تلده لك أمك” لدرجة أن ذلك جعلهم كأسرة واحدة تمثل الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعت له كل الأعضاء بالألم والحمى ، الأمر الذي تأخذنا الحسرة بسبب تلاشيه مع الزمن وخاصة في هذه الأيام.
فكنا نحن معشر الأطفال نكرس هذا الواقع العلائقي البعيد عن الحقد والكراهية ، فنتبناه ونعمل على أجرأته في أرض الواقع وتفعيله بكل صدق وإيمان قوي به ، ليصبح لدينا من المسلمات التي تشترطها العلاقات بيننا كأطفال هدفنا مشترك وهو الاستمتاع بلحظات المتعة التي يوفرها لنا اللعب مع الأقران أكثر مما يمكن أن يوفره لنا اللعب فراداى ، هذا الأخير الذي كنّا نعاقب بواسطته من طرف أولياء أمورنا في حالة إن أخللنا بشروط اللعب وقواعده وأخلاقياته المسلم بها والمفروض عدم تجاوزها ، ليتخذ في حقنا المنع من مخالطة الأقران ومشاركتهم في أي نشاط طفولي ، ردعا لكل من تسبب في العصيان … ليمكث في منزله ويتتبع أقرانه عبر النوافذ والسطوح ، وهم يباشرون اللعب فرحين مسرورين مستمتعين بهذه الأجواء المليئة بالبهجة والصراخ الذي يملأ فضاء الزقاق الذي يمثل فضاء للحريّة .
كل هذه الأجواء الرائعة تجعل الطفل المحروم منها يتآكل داخليا ويتألم بقوة ويؤنب نفسه ، فيعبر عن ندمه بالبكاء وذرف الدموع والصياح ومختلف أساليب الحزن والغضب المتيسرة ، أو بالصبر على مصابه والتزام الصمت والأدب والتوسل إلى والديه وأولياء أمره مطالبا بالسماح والصفح ، متعهدا لهم بالامتثال لأوامرهم وعدم تجاوز الحدود المتعارف عليها مرة أخرى أثناء اللعب في الفضاء العام مع أقرانه .
وقد كانت طريقة العقاب هذه تتخذ أيضا في حق كل من عصى أوامر والديه ولم يمتثل لتوجيهاتهما فيما يخص التقصير في الاهتمام بدروسه ، وحصوله على نتائج دراسية غير مشرفة أو مقنعة ، وكذلك في حالة إخلاله بالنظام العلائقي الذي المتعاهد عليه والمرتكز على شروطه وبنوده المتعارف عليها داخل الأسرة وداخل الحي الذي يجدر به احترام سكانه من الجيران وأبنائهم وخاصة من هم أكبر منه سنا ، حتى لا يتم طرق باب منزله أسرته من طرف الجيران مشتكين من بعض تصرفاته المشينة وغير الأخلاقية ، فيلاقي العقاب الذي لا يحمد عقباه …وللحديث بقية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News