![]()
جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في أطوار العد العكسي السريع بسبب ماخلفته جائحة كورونا من تداعيات خطيرة على اقتصادها المعتمد على الريع والذي اهتزت أركانه بقوة الارتجاجات التي أحدثتها الجائحة والتي لم تكن في الحسبان أبدا، فجعلت كل مخططات واشنطن في كف عفريت ونسفت قواها وأساطيلها الحربية انطلاقا من عتادها العسكري وصناعته التي بارت بعد أن كانت تدر عليها أرباحا طائلة من لدن دول العالم التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية التي اتخذتها سوقا خصبة ومدرة للأرباح فتخطط لخلق بؤر تماس بينها وزرع الفتنة وإفشاء الحروب ، حتى تزود قادة هذه الدول بالآليات العسكرية والحربية مقابل ما يراه حكام واشنطن يخدم مصلحة أمريكا الامبريالية وسياستها التوسعية الهادفة إلىالسيطرة على كل مصادر الطاقة والاستيلاء على كل النقط والمواق عالاستراتيجية لتتحكم في عصب الحياة وأسس كل المجالات والميادين الحيوية لتكون أكبر قوة عالمية على الاطلاق ويتسنى لها الظفر بقيادة العالم وتسييره حسب رغباتها ومصالحها دون رقيب أوحسيب.
لكن حساباتها ومخططاتها باءت بالفشل لدرجة لا تصدق ، بحيث تبين لها من خلال الجائحة ، والتي لم يتجاوز عمرها الشهرين ، أن كل ما توصلت إليه من قوة وتقدم وبنته من عظمة و…و…و…لم يكن إلاقصرا من رمال خر متهاويا لمجرد هجوم عدو صغير جدا هزمها بكل ما كانت تتبجح به من قوة وعظمة ، ليرديها أسفل سافلين ويجعلهاأمام محك حقيقي نسف بمقوماتها وأسسها واستراتيجياتها التي كان يضرب بها المثل عالميا ويحسب لها ألف حساب وحساب ، لترى بأم عينها كل شيء ينهار ويتهاوى بداية بمنظومتها الصحية التي تأكدت من عدم فاعليتها ، وخاصة خلال الجائحة بحيث دفعتها إلى التخلي عن القيم والمبادئ التي تمثلها وتتشدق بها ، بتخليها عن شريحة من مواطنيها كالشيوخ مثلا لتتركهم يصارعون الموت فرادى دون حمايتهم والوقوف إلى جانبهم إلى أن يحدد مصيرهم بالشفاء أو الموت ، ونسيت أن بفضل هؤلاء الشيوخ استطاعت الوصول إلى هذه الدرجة من القوة والشموخ حين كانوا يخدمونها في مرحلة الأوج والعطاء دون بخل أوتهاون أو تلكؤ ليجازوا بما لا ترضاه جمعيات الرفق بالحيوانات للكلاب الضالة والقطط حتى.
ومع انهيار المبادئ تسابق مواطنوها نحو التسلح ، الذي زرعت دولتهم مبادئه ومفاهيمه فيهم ، بالإضافة إلى عدم ثقتهم في النظام الذي يحكمهم وعدم الثقة أيضا في قدرته على حمايتهم من الفتنة والحرب الأهلية التي قد تقوم بينهم في حال انتشار المجاعة ، فكان هاجسهم الأول هو حيازة السلاح للدفاع عن أنفسهم وذويهم ضد كل مواطن ينوي الاستحواذ عن ممتلكاتهم ومذخراتهم من الطعام الشراب والغذاء ، في حين أن بلادهم كانت تعرض على دول العالم وخاصة الضعيفة فكريا بمن فيهم رؤساؤها ، أن تؤمن لهم أنظمتهم ومصالحهم واقتصاداتهم وكراسيهم …فكيف ذلك وهي لم تقو حتى على ضمان الأمن والأمان لشعبها ونفسها الآن أمام عدو أصغر مما يتصور وأقوى وأشرس مما لم تره وما لم يخطر لها على بال ؟!
فهاهي الآن ، بعدما كانت توجه الضربات بقوة لكل من كان يقف في وجهها ، تعاني من ضربة قد تكون قاضية لا محالة ، ذكرتني بحادثة حقيقية وقعت منذ حوالي السنة لإحدى السيدات التي دخلت فيسباب وعراك مع جارتها ، ليغمى عليها في الشارع العام ، وعندما تم إحضار سيارة الإسعاف ووضعها على متنها استفاقت من غفوتها وأخذت تهدد جارتها تلك بالعودة إليها سريعا للانتقام منها شرانتقام ، لتعود فعلا بعد يوم واحد لكن محمولة في تابوت خشبي بلا حراك أو نفس تحقق بهما وعدها لجارتها . نفس المثل يمكن أن ينطبق على الولايات المتحدة الصريعة في فراش غرفة الإنعاشالإكلينيكي ، وهي تهدد الصين العملاق عبر جهاز التنفس الاصطناعي بالعقاب والابتزاز والعودة إلى عهد الفتوة والبلطجة مباشرة بعدخروجها من غرفة الإنعاش ، التي غالبا ما ستغادرها على كرسي متحرك ، خاصة وأنها تلقت الضربة القاضية هذه على مستوى العصب الحيوي و الأهم لديها والذي يتمثل في اقتصادها، وماأدراك ما اقتصاد الولايات الأمريكية ، الذي شل بشكل رهيب بتوقف جل الشركات والمصانع ، لتشح المنتوجات في سوقها الداخلية ويتصاعد منحنى البطالة لديها بسرعة صاروخية لم تشهد البلاد مثلها حتى خلال فترة الخميس الأسود ، وتتهاوى الأسهم في البورصات ، المحلية والدولية التي تعتمد على الدولار .
ومما زاد الطين بلة ما آل إليه سعر البترول الأمريكي من انخفاض مهول بسبب انخفاض سعر البرميل في السوق العالمية رغم مناشدة الولايات المتحدة للعربية السعودية بخلق الموازنة والحفاظ على السعرالمناسب بمحاولة التحكم فيه بخفض الانتاج ، الذي قامت السعودية الابن البار ، فعلا بتطبيقه قبل الموعد لإنقاذ عرابتها وصاحبة الأمر عليها ، لكن دون جدوى ليحقق سهم النزول أرقاما سلبية جدا لتتحول إلى كارثية انطلاقا من يوم الاثنين الذي سمي بالأسود والذي تم إعلانه يوم الاثنين عشرين من شهر أبريل ألفين وعشرين ، هذه الوضعية الكارثية فعلا التي ستجلب على الولايات المتحدة الأمريكية وسو قالبترول وكارتيلاته الجشعة والأنظمة النيوليبرالية كل الويلات ثمالويلات ، ليمتد ذلك امتداد النار في الهشيم ويضرب كل المدخرات والأرصدة المالية والضمانات ويفقد العديد من الدول والشركات والمؤسسات المالية والتجمعات والاتحادات الاقتصادية ولوبياتها قيمتها وفعاليتها ومصداقيتها ووزنها السياسي والاستراتيحي كالسوق الأوروبية المشتركة وصندوق النقد الدولي وهيأة الأمم المتحدة والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي والصندوق الخليجي للتنمية وصندوق التنمية الخليجي ومجلسالتعاون الخليجي والاتحاد الاقتصادي الأورو أسيوي ومشروع الشراكة الأورو متوسطية ومجموعة الثمانية ومجموعة أمريك االشمالية للتبادل الحر ومجموعة دول الأنديز ، وهي تشكل تكثلا اقتصاديا بأمريكا الجنوبية ، ومنظمة التعاون الاقتصادي لدول أسيا والمحيط الهادي وكل التكتلات السياسية والعسكرية بما فيها الحلفالأطلسي وغيره، والاقتصادية ومناطق التجارة الحرة الإقليمية والعالمية على حد سواء ، وذلك لما سيصيب العملة المتعامل بها دوليا وهي الدولار الأمريكي ، من تفاقم وانهيار وعجز وفقدانه لقيمته الاقتصادية ، مما سيربك السوق الدولية ويدفع بجميع الجهات المعنية إلى الاتفاق على عملة آمنة تخلف الدولار وتحافظ على قيمة المعاملات بصفة عملية وقارة ، وتساير متطلبات الأسواق العالمية ، وتجاري عمليتي العرض والطلب بطريقة عادلة تضمن مصلحة عامة وعادلة تعتمد بالأساس على خدمة الجانب الاجتماعي والانساني في كلصوره كالصحة والتربية والتعليم والثقافة … الذي أدخلته السياسات الممنهجة والإيديولوجية المبنية على الاستغلال الجائر للبشر ضمن خانة أبشع الصور الاستغلالية والاستبدادية والعنصرية ، مما يقتضي بالضرورة الحتمية وضع نظام مالي جديد دون أن يتحكم في ذلك طرف من الأطراف بقصد جعله آلية تخدم مصالحه دون الأطراف الأخرى، حتى تتمكن جميعها من الاستفادة والتعامل بهذه الآلية الجديدة المرتقبة في إطار ما سيتم الاتفاق عليه من ضوابط قانونية تحددالحقوق والواجبات وتجعل من الانسان كجوهر وكقيمة أساسية في صلب المعادلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية محليا وعالميا .
وهكذا يكون قد تم طرق أخر مسمار في نعش الأنظمة والدول الطاغية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي نهجت الفردانية والأنانية بشكل مريب وضربت كل أشكال التعددية القطبية حتى تضمن زعامتها للعالم وتمركزه حولها ، وتمارس طغيانها وجبروتها عليه بكل قوة وتحقق مصالحها بكل أريحية ممكنة أومطلقة ، مما أدخلالعالم في كساد علمي وإبداع بدرجات محدودة ونسبية بسبب مافرضته، كوصية على مجالات التميز العلمي والبحث ، من مراقبة صارمة وشروط تعجيزية كابحة لكل أوجه الاكتشاف والاختراع المنافس لإمكانياتها وخاصة العسكرية والحربية، بالضبط مثلما حدث منذنهاية الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا والصين واليابان ، ولازالت تمارسه مع العديد من الدول الأخرى والتي تسببت في قلب أنظمتها وطمس معالم القوة فيها كالعراق واليمن وسوريا وليبيا وغيرها … ومنها من لازالت تحت الضغوطات والتهديدات والحصار بكل صوره وأشكاله وأنواعه الاستبدادية الظالمة والغاشمة . بل أكثر من ذلك أنها لا تبارك كل منافسة لها في أي من المجالات التي تقدم للإنسانية جمعاء خدمات جليلة مادية ومعنوية كالثقافة والفكر والتوعية ، بغض النظر عن أهدافه الأخرى المادية المحضة والسياسية والإديولوجية وغيرها ، مما خلق بصيصا من الامتياز للصين علىالولايات المتحدة في مجالات متعددة وعلى رأسها مثلا مجال التكنولوجيا والمعلوميات الذي أظهرت فيه هذه الدولة المنافسة قدرة عالية وقوة فعلية تهدد زعامة الأمريكيين ومكانتهم في العلم في هذا المجال ومجالات أخرى ممكنة ، الأمر الذي أيقظ ثائرة واشنطن للتصدي لعدوها المنافس لها بقوة ، وخلق بعض العراقل للحد من فعالية مشاريعه الراهنة والاستشرافية الواعدة ، بالإضافة إلى عمل البيت الأبيض على خلق عدة مشاكل إقليمية ودولية في مجالات متعددة ولتحقيق مآربها المختلفة كبيع ترساناتها الحربية كالطائرات والدبابات والسفن والبوارج الحربية والصواريخ المتطورة و… وفرض خدماتها الدفاعية والأمنية مقابل إقامة قواعد عسكرية لها برية وبحرية وجوية بمجالات قريبة من الدول العدوة المستقصدة ، ناهيك عن استغلالها لثروات هذه البلدان واستنزافها سواء عن رضا أو تحت طائلتي الإجبار والقهر ، مما خلق لدى الشعوب المقهورة والمضطهدة كراهية كبيرة تجاه النظام الأمريكي منذ تأسيسه بالباطل على حساب شعوب الهنود الحمر في حرب استئصالية للسكان الأصليين للقارة الأمريكية ، التي أسسوا على جزء واسع من أراضيها الشاسعة نظاما ليبيراليا جشعا ينبني على المصلحة الخاصة للولايات المتحدة التي توجهت نحو التوسع الاستعماري الجغرافي والسياسي والاستراتيجي بمفهومه الاقتصادي والإديولوجي الجديد والذي تقوم فيه على سحق كل من لا يسير وفق خارطة الطريق التي ترسمها وتخدم مصالحها لاغير ، متنكرة في ذلك لحلفائها من الدول الأوروبية التي فرضت عليها شروطا جديدة وقاسية في المعاملات التجارية والصناعية تعتبرتعجيزية وغير منصفة ، مما أبان عن نواياها الحقيقية عندما كانت في موقف قوة، في تكريس فكرة ” أنا ومن بعدي الطوفان ” لينقلبالسحر على الساحر وتؤول إلى دولة استجدائية تطلب العون من تحت الطاولة من تلك الدول عندما أحست بأن سفينتها لم تعد بأمان بسبب أمواج الجائحة العاتية التي أصابتها ولم تترك لها أي حظ للنجاة .
لهذا وبكل صدق ، يجب على أمريكا العرابة وكل دول العالم استغلال الفرصة المتاحة ، هذا إن خرجت سالمة من الورطة وبأقل الأضرارالممكنة ، لتعيد ترتيب أوراقها من جديد وتنظر إلى الواقع بعينيها معا مستفيدة مما يحدث ومما قد سلف ، وتحاول وضع خطط تشاركية بمنظور جديد تتم من خلاله تجاوز كل سوء تفاهم لوث صفحاتالعلاقات بينها وجعلها مسودة للحقد والكراهية والاحتقار والعنصرية والمصلحة الخاصة ، وتجاوز الخلافات الضيقة والسعي إلى عرض نقاط التلاقي والتفاهم بين جميع الأطراف ، لرسم خارطة طريق جديدة تعتمد علىالصدق والشفافية وحسن النية ، تخدم المصلحة العامة وتجعل نصب عينيها مشروع المجتمع الإنساني والعمل بتفان وموضوعية لخدمة البشرية جمعاء التي تعتبر أغلى كنز وأفضل مخلوق على وجه البسيطة ، دون إغفال محيطه الذي يتيح له أسباب العيش والتطور وكل ما يصب في مصلحته ، والمتمثل في البيئة التي يجب المحافظة عليها للمحافظة على حياة الانسان والكائنات التي تؤدي دورها في الوجود … وللحديث بقية.









