![]()
جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … إن ما نصادفه من مظاهر الفساد ببلادنا لأمر يوجب الانتباه والاهتمام وتوخي الحذر من تبعاته المباشرة وغير المباشرة والتصدي له بكل بقوة ، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بمجال حساس وأساسي ومصيري مثل التعليم الذي هو عبارة عن نهر يصب بحمولته في العديد من الميادين الأساسية والهامة التي تستند عليها الدولة الشريفة والتي يتكون منها المجتمع وتبني الفكر، وتروى منه باقي المؤسسات والإدارات والمصالح الخدماتية ، التي هي بدورها يكون لها تأثير مباشر وغير مباشر على الحياة العامة والخاصة للأفراد والمجتمع وأسس الدولة ككل …
لهذا فإن ما تم حدوثه هذه الأيام ، وما خفي اعظم ، فيما يخص قضية بيع الشهادات الجامعية التي تورط فيها أستاذ جامعي يدرس بجامعة ابن زهر بأكادير ، اتباعا للمثل المغربي القائل ” لفقيه اللي نتسناو براكتو دخل للجامع ببلغتو ” في موقف ينبئ بكارثة اجتماعية وسياسية واقتصادية وتربوية وثقافية وغيرها ، يمكنها أن تحدث نسفا للثقة والمبادئ والأعراف ، وتتسبب في فوضى تقلب مفهوم التوازن والمصداقية في كل المؤسسات الرسمية وغيرها ، ليحل محلها العبث والعشوائية وضبابية المصير بالنسبة للبلاد والعباد .
فقد كانت واقعة بيع الشهادات الجامعية كالماجيستير مثلا ، وما خفي أعظم ، ومما نستقيه مما يطفو على السطح بين الفينة والاخرى وفي أمثلة سابقة متعددة كمشكل الجنس مقابل النقط واستغلال النفوذ والتدخل والمحسوبية فيما يخص مباريات مهنية مهمة كالمحاماة مثلا ، لتوجه ضربة موجعة فعلا لمصداقية الإشهادات الجامعية والاستحقاقات التحصيلية العالية وربما الأقل منها درجة ، التي تفتح أبوابا واسعة للشباب المغاربة في عدة مجالات مهنية وتسند إليهم من خلالها مسؤوليات كبرى وذات أهمية لا يستهان بها للممارسة في مجالات متعددة لا يمكن حصرها ، كالقضاء والمحاماة والصحة والإدارات العمومية التابعة لوزارة الداخلية ، وما أدراك ما وزارة الداخلية ، التي هي وزارة ذات سلطة سيادية تعتمد على أطر عليا كالولاة والعمال والباشوات والقياد … واللائحة طويلة ، ممن تسند إليهم مسؤوليات جسيمة وحساسة تخص أسرار الدولة والمواطنين والمؤسسات العمومية والخصوصية ، إلى جانب منظومة الأمن العمومي من رجال الشرطة والدرك والقوات المساعدة والجمارك ولجان المراقبة والتفتيش و…
بحيث لن يقتصر الأمر على هذه القطاعات المذكورة فقط ، بل سيعم جميع القطاعات الأخرى التي هي مرتبطة باستقطاب الشباب وتوظيفهم كعناصر يمكنها ان تقوم بمهامها وتحمل مسؤولياتها حسب اختصاصها في انتظار مردوديتها الإيجابية ، الأمر الذي سيستعصي معه تحقيق الأهداف المسطرة والمرجوة في غياب الكفاءات المطلوبة والمشكوك في أمرها وقدرتها على القيام بالواجب ، مادامت هذه الكفاءات لا تتوفر على مستوى الشهادات الممنوحة إليها بطريقة غير قانونية أو مشروعة ولا تمت لمستواها الإشهادي بأية صلة .
وهذا الأمر سار على أي قطاع إذام تخيلنا ان الظاهرة لم تستثن قطاع الصحة او الهندسة وغيرها ، فكيف سيمكن للطبيب المشبوه أن يعالج مرضاه وكيف للمهندس المشبوه كذلك ان يوثق في تصاميمه الفنية والمعمارية كالقناطر والطرق والعمارات والملاعب الرياضية والمسارح وغيرها من المرافق التي غالبا ما تغص بالمواطنين والمرتفقين ، دون أن يتسبب ذلك في مشاكل كارثية تزهق أرواح الناس الأبرياء بالباطل؟
وفي هذا الصدد فضلت أن انقل إليكم بكل أمانة ما جاء في تحليل أحد المحللين المغاربة لحالة ما قام به الأستاذ الجامعي المذكور وذلك كالتالي : ” ولنركز على ماستر ب 20 مليون سنتيم (كمعدل).. وعلى 8 مليار سنتيم في حساب الزوجة .. هذا معناه أكثر من 400 ماستر مزور .. يعني 400 إطار مزور في منصب لا يستحقه على حساب أبناء وبنات الشعب .. وكم من فاسد مسؤول يزور الشواهد .. إنه زلزال مجتمعي بمعنى الكلمة أكبر من زلزال الحوز .. هذا يعيق بناء مجتمع أفضل.
بالمناسبة 400 أكبر من 395 الذي هو عدد أعضاء البرلمان .. و 400 أقل بكثير من الرقم الحقيقي إذا أخذنا بعين الإعتبار المبالغ في الحسابات الأخرى و العقارات و الأموال نقدا “.
والأمثلة كثيرة ومتنوعة ، مما سيجعل هذا الفساد يؤثر سلبا على المواطنين والمؤسسات والوطن ككل ، عندما يصبح النجاح والتحصيل الجامعي مرتبطا بالمال والمحسوبية والغش وليس بالاجتهاد والكفاءة ، وإقصاء ذوي الكفاءات ليحل محلهم كل من هب ودب من خاليي الوفاض العلمي والاستحقاقي والكفاءاتي في تولي المهام والمناصب وتحمل المسؤوليات ، التي لن يستطيعوا القيام بها كما يجب وعلى أتم وجه ، فلن ينتج عن ذلك كنتيجة حتمية وأكيدة إلا تكريس للرداءة في كل المجالات وتراجع في مستوى الأداء في جميع القطاعات ، وستهتز صورة الجامعات وقيمتها لتصبح موضع شبهة وشك في مصداقيتها وجدواها ودورها في إنتاج كفاءات حقيقية والتأسيس لدولة متوازنة ، ناهيك عما يمكن أن يخلقه الوضع لدى المواطنين والشباب خصوصا الأكفاء المقصيين من حقهم في ممارسة مكتسباتهم القانونية التي يحرمون منها بسبب انعدام تكافؤ الفرص وتكريس مفاهيم الغش والرشوة اللذين يحولان دون تحقيقهم لآمالهم وممارستهم لحقوقهم المشروعة التي يخولها لهم الدستور ، والتي يصبح فاقدا الأمل فيها بسبب ما أصبح يراه سائدا من فساد ومحسوبية ورشوة وشراء الذمم والمناصب ، مما يولد لديه حقدا وتطرفا ناتجين عما يحس به من حكرة ودونية في مجتمع يعمق الفوارق الاجتماعية ويكرس ثقافتها بقوة …
فالمجتمع الذي يغيب فيه تكافؤ الفرص هو مجتمع غير صحي ومعرض للنكبات الاجتماعية ومهدد بالفتنة والانفجار .
كما أن الشباب عندما يلاحظ أن الغش والرشوة والفساد هو طريق النجاح ، وأن النزاهة والاستقامة لا يوصلان إلى نتيجة إيجابية ، فيتحول هو نفسه إلى معجب بخصال الفساد هذه ويتبعها ويتبناها ، ما دام قد أصبح يقنع نفسه أن كل شيء يخضع لعمليتي البيع والشراء ، وبأن الغاية تبرر الوسيلة ، فينطلق في ضرب منظومة المجتمع وقيمها ، ويساهم في انتشار الفساد في كل مناحي الحياة ، فتصبح لديه قناعة راسخة بأن الفساد ثقافة وليس مجرد سلوك شاذ .
فهذه الفضيحة المدوية ، فضيحة ماجيستير أكادير ، هي فرصة يجب الوقوف عندها والتفكير في أسبابها وحيثياتها بكل إمعان وجدية ، والإحاطة بكل جوانبها لأخذ الدروس الإيجابية والممارسات الفعالة التي يجب اتباعها واصطفاء العبرة منها لتفادي ما لا يحمد عقباه ، ومحاربة كل أنواع الفساد التي من شأنها أن تتسبب في ضرب أسس الدولة وهدم المجتمع واجتناب كل ما لا يخدم مصالح البلاد والعباد … وللحديث بقية …










