![]()
جريدة النشرة : عثمان الوقيفي
توفي يوم البارحة أحد أعمدة الفلسفة المعاصرة وأحد أهم المنظرين للفعل التواصلي والديمقراطية التداولية وآخر فلاسفة الحداثة، إنه الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس عن عمر ناهز ستة وتسعين عاما، بعد مسيرة فكرية طويلة ترك خلالها أثرا كبيرا في الفلسفة الاجتماعية والنظرية السياسية المعاصرة، ولا سيما من خلال نظريته حول الفعل التواصلي ومفهوم الفضاء العام والديمقراطية التداولية.. وكان هابرماس أحد أبرز ممثلي الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية، وأسهمت أعماله في التأثير في مجالات متعددة مثل الفلسفة وعلم الاجتماع والقانون ودراسات التواصلي..
وبالرغم من إسهاماته الكبيرة ، لم يخل مشروعه الفكري من انتقادات مهمة، إذ وجه إليه عدد من الباحثين والناقدين انتقادات واسعة تتعلق بطابع المركزية الأوروبية في تصوره للحداثة والعقلانية، حيث اعتُبرت أن كثيرا من تحليلاته تنطلق من التجربة الأوروبية بوصفها معيارا كونيا. كما تعرض لانتقادات سياسية في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى)، حين وقع بيانا يدعم حق “إصرائيل” (الكيان الSهيوني) في الدفاع عن نفسها، من دون أن يوجه، ولو بكلمة واحدة، أي نقد للمجازر التي ارتكبتها ضد الشعب الفلسطيني على مدى عامين ونصف، وهو ما أثار نقاشا واسعًا بين الأكاديميين حول التوتر القائم بين مبادئه النظرية حول الأخلاق التواصلية وحقوق الإنسان وبين مواقفه السياسية العملية.
وبالرجوع إلى التاريخ الفكري ليورغن هابرماس ومواقفه يتضح أنها ليست جديدة، ولم تولد مع حرب غزة وجرائم الإبادة التي رافقتها، فالرجل لم يخف منذ عقود تصوره الفكري الذي يرى في (شعب الله المختار أو العرق السامي) الضحية المطلقة في تاريخ العالم الحديث.
وهو في ذلك لا ينفرد بهذا الموقف، بل يلتقي مع تيار واسع من مفكري وفلاسفة أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تشكل تصور فكري وأخلاقي يجعل الهولوكوست ( جريمة الإبادة الجماعية لليهود من طرف النظام النازي بقيادة أدولف هتلر خلال الحرب العالمية الثانية) مركزا مرجعيا في فهم الحداثة الأوروبية.
القراءة الواعية لإرث هابرماس الفلسفي تبقى رهينة القدرة على التمييز بين كونية الفكر المحض، وبين المواقف الظرفية لمفكر يظل، مهما حاول، ابن بيئته وتاريخه. فالمفكر لا يستطيع الانسلاخ التام عن محيطه الثقافي والسياسي، خاصة حين يتعلق الأمر بصدمات تاريخية كبرى وندوب عميقة تركت أثرها ويتم استثارتها لأهداف معروفة في الوعي الأوروبي… لهذا لم يكن المستغرب موقف هابرماس نفسه، بل كان المستغرب ذلك الاستغراب العربي، وكأن كثيرين اكتشفوا حقيقة مواقفه لأول مرة مع بيانه حول حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر.










