على هامش اليوم العالمي للأسرة: العوالم الرقمية أطفأت شموع البيوت

إدارة الموقع14 مايو 2026Last Update :
على هامش اليوم العالمي للأسرة: العوالم الرقمية أطفأت شموع البيوت

Loading

جريدة النشرة : بوشعيب حمراوي

 

بمناسبة اليوم الدولي للأسر الذي يحتفل به العالم يوم 15 ماي من كل سنة، لم يعد الحديث عن الأسرة مجرد مناسبة اجتماعية عابرة أو احتفال رمزي تقليدي، بل أصبح وقوفاً حقيقياً أمام التحولات العميقة والخطيرة التي تعيشها الأسرة في زمن متسارع تقوده التكنولوجيا والعوالم الرقمية. فلم تعد الأسرة اليوم تعيش فقط أزمة اقتصادية أو اجتماعية أو تربوية كما كان يحدث في السابق، بل أصبحت تواجه تحولات غير مسبوقة فرضها العصر الرقمي بكل ما يحمله من تطبيقات وهواتف ذكية ومنصات تواصل وعوالم افتراضية اقتحمت البيوت دون استئذان، وغيرت شكل العلاقات الإنسانية داخل الأسرة الواحدة.

الأسرة التي كانت تُربي… أصبحت تُفاوض الشاشات

لقد تحولت البيوت في زمن قياسي من فضاءات للحوار والتربية والدفء الإنساني إلى جزر إلكترونية معزولة، يعيش داخلها الأب والأم والأبناء تحت سقف واحد، لكن بعقول واهتمامات وعلاقات افتراضية مختلفة ومتباعدة. فالأب منشغل بهاتفه، والأم غارقة في مجموعات التواصل، والطفل رهين الألعاب الإلكترونية، والمراهق يعيش داخل عوالم (التيك توك)و(الإنستغرام) و(اليوتيوب)، حتى أصبح الصمت الرقمي سيد المجالس العائلية.

لقد كانت الأسرة عبر التاريخ أول مدرسة للتربية والقيم والانتماء والهوية. منها يتعلم الإنسان الكلام، والاحترام، والتعاون، والانضباط، والحب، وتحمل المسؤولية. لكنها اليوم تجد نفسها أمام منافس خطير لا ينام ولا يتعب ولا يحترم الخصوصيات ولا يعترف بالحدود التربوية والأخلاقية. منافس اسمه “العالم الرقمي”، الذي دخل إلى غرف النوم والعقول والمشاعر، وأصبح يتحكم في السلوك والأفكار واللغة وحتى الأحلام.

والمشكل الحقيقي لا يكمن فقط في وجود التكنولوجيا، لأن التطور الرقمي في حد ذاته نعمة كبيرة قدمت للبشرية خدمات هائلة في التعليم والتواصل والمعرفة والبحث العلمي والاقتصاد، بل تكمن الخطورة في طريقة استعمالها، وفي غياب التأطير الأسري والتربوي والثقافي القادر على حماية الأسرة من التحول التدريجي إلى مجرد تجمع بشري مرتبط بالأنترنت أكثر من ارتباطه بالمشاعر والقيم الإنسانية.

الأسرة بين الأمس واليوم

كانت الأسرة المغربية والعربية والإفريقية عموماً تقوم على العلاقات المباشرة واللقاءات اليومية والزيارات العائلية والتواصل الإنساني الحقيقي. كانت “لمة الأسرة” حول مائدة الطعام أو جلسات المساء أو المناسبات العائلية فضاءً للتربية والتوجيه وتبادل الخبرات والحكايات والقيم. وكان الأطفال يتعلمون من الكبار معنى الاحترام والصبر والتضامن والتعاون.

أما اليوم، فقد تغير المشهد بشكل جذري

أصبحت الأسرة تعيش حالة من “التجاور الرقمي” بدل التواصل الإنساني. يجلس الجميع في مكان واحد، لكن كل فرد يعيش داخل شاشة مختلفة. بل إن بعض الأسر أصبحت تتواصل عبر الرسائل الإلكترونية أكثر مما تتواصل بالكلام المباشر رغم قرب المسافات داخل البيت الواحد.

هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات مرتبطة بسرعة التطور التكنولوجي، وضعف التأطير الأسري، وغياب التكوين الرقمي للأباء والأمهات، إضافة إلى انشغال الأسر بمشاكل الحياة اليومية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت الهاتف الذكي يتحول أحياناً إلى (مربٍّ بديل) للأطفال.

الطفل الرقمي… جيل يولد داخل الشاشة

أخطر ما تعيشه الأسرة اليوم هو ظهور ما يمكن تسميته بـ(الطفل الرقمي)، وهو طفل يتعامل مع الهاتف واللوحات الإلكترونية قبل أن يتعلم أحياناً الكتابة اليدوية أو التواصل الطبيعي مع الآخرين.

جيل تربى على السرعة والصورة والمؤثرات البصرية، وأصبح يجد صعوبة في التركيز الطويل، أو قراءة الكتب، أو ممارسة الحوار الهادئ، أو تحمل الانتظار.

لقد أصبح كثير من الأطفال يقضون ساعات طويلة أمام الألعاب الإلكترونية والفيديوهات القصيرة، مما يؤثر على نموهم النفسي والعقلي والاجتماعي. كما بدأت تظهر مشاكل خطيرة مرتبطة بالإدمان الرقمي، وضعف التركيز، والعنف، والانطواء، واضطرابات النوم، وتراجع التحصيل الدراسي، بل وحتى التأثير على اللغة والهوية والثقافة المحلية.

الأخطر من ذلك أن عدداً كبيراً من الأطفال والمراهقين أصبحوا يتلقون التربية والتوجيه من “المؤثرين” وصناع المحتوى أكثر مما يتلقونها من الأسرة أو المدرسة. وهنا تتحول المنصات الرقمية إلى مؤسسات موازية تصنع القيم والسلوك واللغة والأحلام والقدوات. إقرأ المزيد : https://al3omk.com/1160683.html

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News