![]()
جريدة النشرة : عثمان الوقيفي
مع اقتراب شعيرة عيد الأضحى المبارك، يعيش الشارع المغربي على وقع جدل مشحون وتضارب صارخ بين الأرقام الرسمية والتصريحات السياسية من جهة، وبين الحقيقة الحارقة التي تشهدها أسواق الماشية (الكسيبة) من جهة أخرى. جدلٌ فجّره تصريح وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات في قبة البرلمان، والذي أكد فيه أن أسعار الأضاحي تبدأ من 1000 درهم (20 ألف ريال)، وهو ما اعتبره المواطنون والمهنيون “خارج سياق الواقع تماماً”.
تصريح البرلمان: أين يختبئ خروف ديال 1000 درهم؟
في جلسة عمومية بمجلس النواب، وبنبرة تطمينية، أعلن وزير الفلاحة أن العرض كافٍ ويفوق الطلب، مشيراً إلى أن أسعار الأضاحي في المتناول وتخضع لتراتبية تناسب كل الشرائح الاجتماعية، مؤكداً أن المواطن بإمكانه اقتناء خروف بـ 1000 درهم.
هذا التصريح سرعان ما تحول إلى مادة دسمة للتهكم والاشتعال في منصات التواصل الاجتماعي، حيث أطلق نشطاء ومواطنون حملات تدعو إلى “تطبيق تصريح الوزير في الأسواق”، وتطالب بتحديد المواقع والأسواق التي تباع فيها هذه الأضاحي بهذا الثمن الزهيد في ظل أزمة الجفاف وغلاء الأعلاف.
لغة السوق: الـ 5000 درهم هي “الحد الأدنى” للجودة
في جولة ميدانية لجريدتنا في عدد من الأسواق الأسبوعية و”الرحابي” الكبرى، يبدو المشهد مغايراً تماماً لتوقعات الوزارة الوصية. فالواقع يؤكد أن “الخروف” الذي يتحدث عنه المواطن المغربي البسيط، والذي يمكنه سد رمق عائلة متوسطة، لا يقل سعره عن 4500 إلى 5000 درهم.
أما الأثمنة الأدنى (بين 2000 و3000 درهم) فلا تقدم للمستهلك سوى أضاحي صغيرة الحجم (النعاج أو السخل)، والتي لا تلبي غالباً تطلعات الأسر المغربية التي تبحث عن أضحية بمواصفات مقبولة.
شهادة من قلب السوق:
يقول بوعزة (كساب من حد السوالم): “الحديث عن 1000 درهم لعيد الأضحى هو ضرب من الخيال هذا العام. تكلفة كيس واحد من العلف تجاوزت كل الحدود، ومصاريف التربية طوال سنة كاملة تجعل من المستحيل بيع خروف بهذا الثمن إلا إذا كان الكساب يريد إعلان إفلاسه”.
المفارقة الصادمة: غلاء حقيقي وتبريرات واهية
يجد المواطن المغربي نفسه اليوم بين مطرقة تصريحات حكومية تبسط الأمور، وسندان واقع معيشي يثقل كاهل القدرة الشرائية. وفي الوقت الذي دعت فيه بعض الأصوات المواطنين إلى “مواجهة الشناقة” بتصريح الوزير، يرى المتتبعون للشأن الاقتصادي أن المشكل أعمق من مجرد “وسطاء”، بل يتعلق بـ:
توالي سنوات الجفاف: ندرة الكلأ في المراعي الطبيعية.
ارتفاع أسعار الأعلاف الصارخ: الذي ألهب جيوب الكسابة الصغار قبل الكبار.
فشل الدعم المباشر: عدم وصول الدعم المخصص لبعض المستوردين إلى المواطن البسيط بشكل ملموس في خفض الأسعار.
المواطن في مواجهة “الشناقة” والواقع
إن دعوة المواطنين إلى “القيام بواجبهم” والاحتجاج بتصريح الوزير داخل الأسواق، تصطدم بقانون العرض والطلب وحرية الأسعار التي تحكم “الرحبة”. فالكساب لا يعترف بتصريحات البرلمان بقدر ما يعترف بحجم المصاريف التي تكبدها طوال السنة.
يبقى السؤال المطروح يتأرجح بين ضفتين: هل يعيش المسؤولون في عالم موازٍ بعيد عن قفة المواطن اليومية؟ أم أن هناك سوء تفاهم مزمن في لغة الأرقام بين ما تراه الوزارة متوفرا وما يراه المواطن مستحيلاً؟ الأيام القليلة القادمة قبل العيد كفيلة بفرض الحقيقة الوحيدة: حقيقة الجيب والقدرة الشرائية… وكل هذا لا يعني إلا شيئا واحدا وأكيدا هو أن المسؤولين عن القطاع وعلى رأسهم وزير الفلاحة خارج التغطية تماما ويعملون على تمويه الرأي العام ومؤسسات الدولة المسؤولية والمعنية بما فيها قبة البرلمان التي تعالت أصوات بعض ممثلي الشعب فيها بالهتاف والاستنكار لما أراد به السيد الوزير باطلا وحاول من خلال تصريحاته استحمار واستبلاد نواب الأمة والشعب المغربي الذي استشاط لأعمالهم ومخططاتهم الواهية وسياسة تدبيرهم لامور البلاد التي لم تأت إلا بما زاد الوضع تأزما وسوءا .










