![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … كل من الجزائر وإسبانيا يتربصان للمغرب ويسعيان إلى إحباط كل مساعيه في التنمية والتقدم الصناعي والاقتصادي و… حتى لا يتمكن من الحصول على مكانة متميزة بين الدول ودور فاعل بينها ، مخافة أن يتقوى ويطالب بحقوقه الجغرافية والسياسية وغيرها …
فهناك فرضية تطرح نفسها بقوة لافتة وهي أن الجزائر وإسبانيا متفقتان على كل شيء بالنسبة لعرقلة مسيرة المغرب التنموية السياسية والاقتصادية وغيرها ، لكن هذا الأمر ليس عرضيا ولم يأت من فراغ ، بل إن لكل منهما مصلحة في ألا يتحول المغرب إلى قوة إقليمية يصعب احتواؤها ، وقد تتقاطع هذه المصالح أحيانا حتى من دون وجود تنسيق مباشر بينهما . الامر الذي يحدث انزعاجا واضحا لدى كل من إسبانيا والجزائر.
لهذا يمكن التساؤل حول ذلك وأسباب هذا الانزعاج من خلال طرح السؤال التالي : لماذا تنزعج إسبانيا من مغرب أقوى ؟
فإسبانيا لا تواجه في المغرب مجرد جار يطالب بمدينتين ، بل إنها تواجه دولة تتوسع اقتصادياً وصناعياً ودبلوماسياً، وتبني علاقات متنامية مع الولايات المتحدة والصين ودول الخليج وإفريقيا.
وكلما ازدادت قوة المغرب، أصبح من الصعب على مدريد أن تتعامل معه باعتباره الطرف الأضعف في المعادلة. فإسبانيا لا تحتاج إلى مغرب ضعيف اقتصاديا فقط حتى تحافظ على سبتة ومليلية وغيرهما ، بل ما تحتاجه هو ألا يتحول النمو المغربي إلى قوة ضغط سياسية وعسكرية تجعل الوضع القائم أكثر كلفة عليها .
وهذا يفسر لماذا قد تجمع سياستها بين التعاون الاقتصادي والأمني من جهة، والتمسك بالسيادة على المدينتين من جهة أخرى.
أما بالنسبة للجزائر فيمكن أن نطرح نفس السؤال السابق لكن بطريقة أخرى وذلك كالتالي : لماذا قد ترى الجزائر في صعود المغرب تهديدا لها ؟
والجزائر لا تنظر إلى المغرب باعتباره منافساً عادياً ، فهناك تاريخ من التوتر، وحدود مغلقة، وخلافات حول الصحراء الغربية المغربية ، وكذلك مشكل الصحراء الشرقية الذي بدأ يلوح في الأفق والتي يعود أصلها جغرافيا وتاريخيا إلى المملكة المغربية الشريفة ، حسب الحجج والدلائل القائمة والدامغة وشهادات العديد من الدول والفعالليات السيادية الدولية ، ناهيك أيضا عن التنافس على النفوذ الإقليمي الذي أصبحت هذه الدول تخشاه بسبب مقدراته وما هو ظاهر على سمات ما يتحقق جليا من خلال مخططات المملكة المغربية وعزمها على السير نحو عهد جديد كله تكريس لمفاهيم الانفتاح و التقدم والازدهار في شتى الميادين وما تطمح إليه من فرض لسيادتها وشخصيتها على المشهدين الإقليمي والدولي…
ومن الطبيعي أن يثير صعود المغرب الصناعي والاقتصادي والدبلوماسي قلق الجزائر، خصوصاً إذا أصبح المغرب أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الكبرى ، توسيع نفوذه في إفريقيا ، تعزيز علاقاته مع القوى الدولية ، تطوير قدراته العسكرية والتكنولوجية التي أصبحت واقعا ملموسا يفرض نفيه بقوة ، وطرح قضاياه الإقليمية من موقع أقوى.
فالقلق من صعود المغرب يدفع بالجزائر إلى السعي وراء كل مشروع مغربي متعثر أو كل أزمة اقتصادية أو سياسية أو دبلوماسية يواجهها لتختلق الأفاعيل وممارسة الخبث بأقصى درجاته ، سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة ، والأمثلة في ذلك كثيرة ومتنوعة مثل ملف الصحراء الغربية المغربية وكذلك الشرقية وأنبوب الغاز وغير ذلك ، ومعبرة عن الحقد الدفين الذي يضمره النظام العسكري الجزائري للمغرب .
فأين يمكن أن تتقاطع المصالح الإسبانية والجزائرية؟
قد تتقاطع المصالح عندما يتعلق الأمر بمنع المغرب من تحويل قوته الاقتصادية إلى نفوذ إقليمي أكبر ، مما يجعل هذا التقاطع يؤكد وجود تحالف سري يجري في الكواليس أو علني واضح للعيان من كلا الطرفين الاسباني والجزائري لا يمكن تجاهله وخاصة في الفترة الأخيرة .
فإسبانيا قد تريد الحفاظ على مصالحها في سبتة ومليلية، والجزائر قد تريد الحد من النفوذ المغربي في المنطقة ، والنتيجة قد تكون واحدة أحيانا ، حتى لو اختلفت الدوافع ، وهنا تكمن أهمية التوضيح والتركيز والتنبيه ، مما قد يجعل الدولتين تقومان بالاتفاق على كل شيء حتى يستفيد كل منهما من إضعاف موقع المغرب التفاوضي.
لهذا فلابد من التوضيح أكثر من خلال طرح السؤال التالي الذي أصبح يفرض نفسه بقوة وهو : هل دخلت إسبانيا فعلا في شرك الجزائر ؟
ومما كان لا يمكن الجزم به ، أصبح اليوم ، واردا بخصوص دخول اسبانيا شرك الجزائر ، بحيث أن الاخيرة استطاعت أن تدفع بالأولى إلى اتخاذ مواقف تضر بعلاقتها مع المغرب وحاولت استثمار الخلافات بين المملكتين ، مثيرة طمع إسبانيا ومستفزة لجشعها وواعدة إياها بمكاسب كبيرة تسيل لعابها كتزويدها بالغاز بأثمنة جزافية ومشجعة جدا وفتح خطوط بحرية مباشرة بين البلدين ، ووعود بتطوير العلاقات الاقتصادية وتمتينها ، مما يدفع بالجزائر إلى السعي في تحقيق حلمها ضمن مكاسب دبلوماسية وغير ذلك …
لكن حقائق واقعية وقوية ستجعل إسبانيا قد تجد نفسها مضطرة إلى العودة للتعاون مع المغرب بسبب الهجرة والأمن والاقتصاد، وملفات كبرى أخرى ستجعلها تكتشف أن الضغط على الرباط ليس مجانيا ، وأن محاولة موازنة المغرب والجزائر هي من سابع المستحيلات وقد تنقلب عليها سلبا .
لهذا لابد من طرح سؤال فاصل في الأمر وهو : هل المغرب فعلا هو الطرف المستهدف دائما ؟
وهنا أختلف مع أي تحليل يجعل المغرب مجرد ضحية ، فالمغرب ليس خارج المعادلة ، بل هو طرف فاعل فيها ، فهو يملك أوراقاً مهمة، لكنه يواجه أيضاً تحديات داخلية حقيقية.
فإذا كان المغرب يريد أن يصبح قوة إقليمية، فلا يكفي أن يقول إن الجزائر وإسبانيا تتربصان به. بل يجب أن يسأل: هل مؤسساته قادرة على تنفيذ المشاريع الكبرى بكفاءة؟ هل يستفيد المواطن من النمو الاقتصادي؟ هل يتم تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ هل يتم تطوير التعليم والصحة والبحث العلمي؟ هل يتم تحويل الاستثمارات إلى صناعة وطنية ذات قيمة مضافة؟ وهل توجد استراتيجية واضحة للتعامل مع الضغوط الخارجية؟
فالدولة القوية لا تنكر وجود الخصوم ، لكنها لا تجعل هؤلاء الخصوم شماعة لكل إخفاقاتها الداخلية .
لهذا ، فهل يمكن انقلاب هذا التربص على أصحابه ؟ نعم، وهذه نقطة مهمة جداً ،ـ إذا حاولت الجزائر أو إسبانيا إبطاء صعود المغرب، فقد تدفعه إلى تنويع شركائه الاقتصاديين ، تقوية علاقاته مع قوى دولية أخرى ، تطوير صناعاته المحلية ، تقليص اعتماده على بعض الأسواق ، والبحث عن بدائل في الطاقة والتجارة والاستثمار.
لكن هذا لا يعني أن المغرب سينجح تلقائياً.، فالضغط الخارجي قد يكون حافزا فعلا ، لكنه قد يكون أيضا عبئا إذا لم تكن الدولة قادرة على تحويله إلى فرص إيجابية .
كما أن تساؤلا من الاهمية بمكان للفصل في القضية وهو : هل استطاعت الجزائر وإسبانيا احتواء صعود المغرب ، أم أن تنافسهما معه يدفعه إلى بناء قوة اقتصادية وسياسية أكثر استقلالا عنهما ؟
وفي قضية سبتة ومليلية تحديدا ، فإن إسبانيا قد تكون مستفيدة من استمرار الوضع القائم ، والجزائر قد تكون مستفيدة من استمرار التوتر المغربي الاسباني ، لكن هذا لا يعني أن الطرفين يتحكمان في مسار القضية أو أن المغرب عاجز عن التأثير فيهما معا .أما الحكم النهائي، فيحتاج إلى متابعة الوقائع من خلال معرفة :من اتخذ القرار ؟ من استفاد منه ؟ من دفع ثمنه ؟ ومن اضطر إلى التراجع ؟
فهذه هي الطريقة التي يمكن بها التمييز بين التربص السياسي الحقيقي والتحليل الذي يمكن أن يتحول إلى مؤامرة شاملة .
كما أن الخطر على المغرب ليس فقط في خصومه ، بل في أن يستمر خصومه في استغلال نقاط ضعفه الداخلية .
فالدولة التي تريد أن تصبح قوة إقليمية لا يكفيها أن تملك مشاريع كبرى؛ يجب أن تملك أيضاً مؤسسات فعالة، واقتصاداً منتجاً، وعدالة اجتماعية، وقدرة على تحويل هذه المشاريع إلى قوة تفاوضية حقيقية.
وهذا هو الفارق بين مغرب يملك إمكانات كبيرة ومغرب يملك فعلا على القدرة على فرض مكانته بين الدول … وللحديث بقية …










