![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … يقول المثل العامي ” يقتلون القتيل ويمشون في جنازته ” أعجب لمسؤولين مغاربة يظنون أنفسهم أذكياء وباقي المواطنين سذجا وقاصرين على استيعاب ما يحاك من سياسة تمويهية في تدبير الشأن العام المحلي والوطني الذي هو أمانة استودعوها بين أيدي هؤلاء المسؤولين على أمل النهوض بمطالب الشعب وتحقيق طموحاته في تنمية البلاد والعباد وخلق نهضة تنموية تشمل القطاعات التي تمثل عصب الحياة والنهضة والتقدم والازدهار كالصحة والتعليم والشغل والصناعة والاقتصاد والقطاع الاجتماعي وكل ما يساهم في تحسين اوضاع المواطنين ويجعلهم في صلب اهتمام سياسة الدولة وتوفير مقتضيات وشروط العيش الكريم …
لكن يبدو أن هؤلاء المسؤولين فضلوا ان ينهجوا سياسة التشلهيب والضحك على الدقون تجاه المواطنين وتكريس ثقافة التمويه والغموض والعبث بمصالح البلاد والعباد ، فأطلق هؤلاء المسؤولون لجام الكذب وخاصة بعد وصول فترة ” الجدبة” أي الانتخابات المقبلة المنتظرة يوم 23 شتنبر الجاري ليركبوا صهوة التغرير بالمواطنين مرة أخرى بتخريجات جديدة تذكرنا بتلك الحلوى المسمومة المغطاة بالكريمة الشهية التي تسيل لعاب ضعاف الذاكرة من المواطنين ، أو بعملية السماوي أو ما يعرف ب” التسليم” أو النصب بالتنويم المغناطيسي باعتماد الخداع البصري واللفظي لسلب إرادة الضحايا عبر طقوس معينة يبرع فيها مسؤولونا المبجلون ، وما اكثر طرقهم ووسائلهم في ذلك ، لسلب إرادة المستضعفين من المواطنين وجعلهم يسلمون مصائرهم لهم بكل طواعية دون إدراك مباشر ، إلا بعد فوات الأوان، وهكذا ذواليك … هذه الطرق الخبيثة وغير المشروعة التي ينهجها هؤلاء المحتالون والنصابون لاستدراج الناس إلى دائرة نفوذهم والتمكن من نصاياهم ، وما أكثر مثل هذه المواقف التي ينفضح فيها امرهم … فهناك من شارك في تكريس الفساد وتيسير اقتسام الغنيمة من بعيد او قريب ليخرج مستنكرا ظاهرة ” الفراقشية ” وهناك من كان سببا في منع تمرير قانون الاثراء غير المشروع وإقصاء قاعدة “من أين لك هذا” … ومن استغفل المواطنين لييمرر ممحاة على فعلى الكراطة وينسلخ من جلد الأفعى مرتديا صفة المصلح ومحارب الفساد … كما لم يكن تصريح فوزي لقجع بشأن إنفاق الدولة نحو 280 مليار درهم ، وذلك خلال السنوات الخمس الماضية لدعم القدرة الشرائية مجرد رقم عابر في لقاء انتخابي … وما خفي لا يعلمه إلا الله .
فالرقم ضخم إلى درجة أنه يفرض على الدولة، وعلى المسؤولين الذين كانوا في قلب عملية اتخاذ القرار، أن يقدموا للرأي العام الحساب الكامل: كم أُنفق؟ في ماذا؟ لصالح من؟ وبأي نتيجة؟
والأكثر إثارة في التصريح أن لقجع لم يكتف بالكشف عن حجم الإنفاق، بل تساءل عن النتائج المحققة، واعتبر في سياق حديثه أن هذا الإنفاق لم يحقق الأثر المنتظر، بينما كان في الوقت نفسه يدافع عن برنامج انتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة يقترح تخصيص 300 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية خلال الولاية المقبلة.
وهنا تبدأ المفارقة السياسية الحقيقية ، إذا كانت 280 مليار درهم قد صُرفت فعلاً دون تحقيق النتائج المرجوة، فمن المسؤول عن اختيار طريقة إنفاقها؟ وإذا كانت الطريقة ناجعة، فأين هي آثارها الملموسة على حياة المواطن؟
لقجع.. داخل الحكومة وخارجها في الوقت نفسه؟ … يا للعجب! ففوزي لقجع ليس مراقباً مستقلاً للسياسة المالية للحكومة.إنه الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، وفي الوقت نفسه قيادي في حزب الأصالة والمعاصرة الذي يشارك في الحكومة الحالية ، والحزب نفسه يقول رسمياً إنه يعتز بمشاركته في التجربة الحكومية الحالية وبعدد من الإجراءات التي أُقرت خلالها، بينما يقدم نفسه انتخابياً باعتباره قوة سياسية تريد تغيير مسار العمل الحكومي بعد الانتخابات.
وهنا لا يتعلق الأمر بمنع المسؤول الحكومي من ممارسة العمل الحزبي أو من الدفاع عن برنامج حزبه.
السؤال مختلف تماماً ، عندما ينتقد المسؤول نتائج سياسة شاركت حكومته في وضعها وتنفيذها، هل يتحدث بصفته مسؤولاً حكومياً أم بصفته رجل حزب يستعد للانتخابات؟
وإذا كان الانتقاد موجهاً إلى أداء الحكومة، فهل يشمل ذلك المسؤولين الموجودين في قلب منظومة القرار المالي؟
أم أننا أمام معادلة سياسية غريبة يصبح فيها المسؤول صاحب القرار عندما يتعلق الأمر بالإنجاز، ومراقباً للقرار عندما يتعلق الأمر بالفشل؟
280 ملياراً.. الرقم الذي يحتاج إلى كشف الحساب فالمعطى الأخطر في القضية ليس الرقم وحده، وإنما غياب التفصيل في التصريح حول مكونات هذا الرقم.
والدولة دعمت بالفعل القدرة الشرائية عبر قنوات متعددة ، ففي سنة 2022، بلغت نفقات المقاصة 42.1 مليار درهم، منها 22.1 مليار درهم لدعم غاز البوتان، و9.3 مليار للقمح المستورد، و4.79 مليار للسكر، إضافة إلى 4.4 مليار درهم لدعم مهنيي النقل.
وفي سنة 2023، خصص مشروع قانون المالية 26 مليار درهم للمقاصة، مع استمرار دعم عدد من المواد الأساسية، إلى جانب إجراءات أخرى مرتبطة بالقدرة الشرائية.
أما في 2024، فقد بلغت تكاليف المقاصة 25.5 مليار درهم، مقابل 30.1 ملياراً سنة 2023، وفق معطيات رسمية أوردتها وثيقة منشورة في الجريدة الرسمية.
وفي مشروع قانون مالية 2025، تمت برمجة أكثر من 16.53 مليار درهم لدعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين. كما بلغت تكلفة دعم غاز البوتان وحده خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2024 نحو 10.45 مليار درهم، فيما تجاوز دعم السكر المكرر 3 مليارات درهم.
إذن، هناك فعلاً إنفاق عمومي ضخم مرتبط بحماية القدرة الشرائية ، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الذي طرحه لقجع نفسه “ما هي النتيجة؟” فالتضخم يروي جزءاً من القصة
وإذا أردنا قياس أثر هذه السياسات، فلا يكفي الاستماع إلى التصريحات السياسية ، بل علينا العودة إلى الأرقام.
المندوبية السامية للتخطيط سجلت ارتفاعاً في مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 6.6% سنة 2022، ثم 6.1% سنة 2023، قبل أن يتراجع التضخم إلى 0.9% سنة 2024 ، لكن انخفاض معدل التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة.
وهذه نقطة أساسية كثيراً ما تضيع في الخطاب السياسي.
عندما يرتفع سعر مادة من 10 إلى 15 درهماً، ثم يتوقف الارتفاع، فإن التضخم قد ينخفض، لكن المواطن لا يستعيد تلقائياً السعر القديم البالغ 10 دراهم.
وهذا يفسر جزئياً لماذا يمكن للحكومة أن تقول إن التضخم تراجع، بينما يشعر المواطن بأن كلفة المعيشة ما زالت مرتفعة.
والأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط تؤكد أن مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفع من 110.8 سنة 2022 إلى 117.6 سنة 2023 ثم إلى 118.7 سنة 2024، قبل أن يصل إلى 119.6 سنة 2025 ، أي أن الأسعار لا تختفي آثار ارتفاعها بمجرد تراجع التضخم.
والمفارقة الكبرى والام العجيب هو أن الإنفاق ضخم والشكوى مستمرة ، وهنا تصبح عبارة لقجع حول «280 ملياراً» أكثر إحراجاً للسياسة الحكومية، لا أقل.
فإذا كان المبلغ قد صُرف فعلاً بهدف حماية القدرة الشرائية، فإن من حق المواطن أن يسأل “لماذا بقي الإحساس بغلاء المعيشة بهذه القوة؟” وإذا كانت التدابير قد نجحت في منع أسعار المواد الأساسية من الارتفاع أكثر مما كان يمكن أن ترتفع إليه، فمن حق الحكومة أيضاً أن تقدم للرأي العام الدراسة التي تقيس هذا الأثر ، لأن المقارنة الصحيحة ليست بين “280 ملياراً تساوي فشل” أو “280 ملياراً تساوي نجاح” ، فالمقارنة العلمية هي: كم كان سيبلغ سعر المواد الأساسية في غياب الدعم؟ وكم بلغ فعلياً بعد الدعم؟ وكم استفادت الأسرة المغربية المتوسطة والفقيرة؟ وكم استفاد المستهلك النهائي مقارنة بما تحملته ميزانية الدولة؟
وهذه هي الأسئلة التي لا تجيب عنها الشعارات الانتخابية ، من استفاد من الدعم؟ وهناك سؤال آخر أكثر حساسية
“هل وصل الدعم إلى المواطن فعلاً، أم أن جزءاً منه انتهى عند حلقات أخرى من سلسلة الإنتاج والتوزيع والاستيراد؟
هذه ليست فرضية اتهامية، وإنما سؤال اقتصادي مشروع.
والدولة نفسها اعتمدت أشكالاً متعددة من الدعم، بعضها موجه مباشرة إلى أسعار مواد أساسية، وبعضها إلى مهنيين وقطاعات، وبعضها إلى الاستيراد.
وفي حالة غاز البوتان مثلاً، يوضح صندوق المقاصة أن منظومة الدعم تشمل دعم الاستيراد، وتكاليف النقل، والفارق بين السعر المحدد وثمن البيع من مراكز التعبئة.
وهذا يعني أن الحديث عن “280 ملياراً لدعم القدرة الشرائية” يحتاج إلى تفكيك دقيق، حتى لا تختلط النفقات التي يستفيد منها المستهلك مباشرة بالنفقات التي تهدف إلى استقرار السوق أو دعم فاعلين اقتصاديين أو الحفاظ على تموين البلاد.
والأغرب هو “لماذا 300 مليار جديدة؟” إذا كان لقجع يرى أن 280 ملياراً لم تحقق النتائج المنتظرة، فإن السؤال التالي يصبح منطقياً وهو “لماذا يقترح حزبه 300 مليار درهم أخرى؟”
وإذا كان الجواب أن المشكلة لم تكن في حجم الأموال وإنما في طريقة استعمالها، فالسؤال يصبح “ما الذي سيتغير هذه المرة؟” هل ستذهب الأموال مباشرة إلى الأسر؟ هل ستكون هناك آلية جديدة لمراقبة الأسعار؟ هل سيتم قياس أثر كل درهم؟ هل ستُنشر تقارير سنوية للرأي العام؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا لم تحقق الـ300 مليار الجديدة أهدافها؟ لأن المواطن لا يحتاج إلى سماع رقم أكبر ، بل يحتاج إلى نتيجة أكبر.
وهنا تظهر معضلة «الجلاد والمجلود» فقد يكون وصف «الجلاد والمجلود» قاسياً، لكنه يختصر مفارقة سياسية تستحق النقاش. فالمسؤول الذي يوجد داخل منظومة القرار لا يمكن أن يتحول، بمجرد اقتراب الانتخابات، إلى مجرد متفرج على حصيلة تلك المنظومة.
وإذا كانت الحكومة أخطأت في تقدير بعض الإجراءات، فالمطلوب هو تحديد المسؤوليات السياسية والمؤسساتية.
وإذا كانت الإجراءات ناجحة، فالمطلوب تقديم الأرقام التي تثبت ذلك. أما أن يُقال للمغاربة إن 280 ملياراً أُنفقت ثم لم تحقق النتيجة، من دون تقديم كشف تفصيلي عن أوجه إنفاقها وقياس مردوديتها، فذلك لا يغلق ملف القدرة الشرائية، بل يفتحه على مصراعيه.
فهل نحن أمام تمويه سياسي؟
هنا ينبغي أن نكون دقيقين بحيث لا يمكن الجزم بأن هناك “تمويهاً متعمداً” ما لم تتوفر أدلة تثبت وجود قصد لإخفاء مسؤولية أو تضليل الرأي العام ، لكن يمكن طرح السؤال “هل يؤدي نقل النقاش من مسؤولية الحكومة عن النتائج إلى مجرد الحديث عن حجم الأموال المصروفة إلى إبعاد الانتباه عن السؤال الأساسي الذي هو لماذا لم تحقق السياسة أهدافها؟
فالسياسي يستطيع أن يقول “أنفقنا 280 ملياراً” لكن المواطن يستطيع أن يرد “وأنا ماذا استفدت؟”
والسياسي يستطيع أن يقول “سنخصص 300 مليار أخرى ، لكن المواطن يستطيع أن يسأل”لماذا أثق في أن النتيجة ستكون مختلفة هذه المرة؟” وهنا تحديداً تبدأ المحاسبة الديمقراطية الحقيقية.
المال العام لا يحتاج إلى خطابة.. بل إلى كشف حساب
إن مبلغ 280 مليار درهم، أي 28 ألف مليار سنتيم، ليس مجرد رقم يمكن استخدامه في مهرجان انتخابي لإثبات أن الدولة قادرة على تعبئة الموارد ، إنه مال عمومي ، وكل مال عمومي يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الشفافية، والنجاعة، والمحاسبة.
والنجاعة تعني أن نعرف ماذا حقق الإنفاق ، والشفافية تعني أن نعرف أين ذهب ، والمحاسبة تعني أن نعرف من يتحمل المسؤولية عندما لا تحقق السياسة أهدافها.
لذلك، فإن أفضل خدمة يمكن أن تقدمها الحكومة نفسها للمواطنين ليست الدخول في سجال انتخابي حول ما إذا كانت 280 ملياراً كثيرة أم قليلة ، بل نشر كشف حساب واضح ومفصل: كم صُرف؟ في أي سنة؟ على أي برنامج؟ على أي مادة؟ على أي فئة؟ من استفاد؟ وما هو الأثر القابل للقياس؟ وعندها فقط يستطيع المواطن أن يحكم.
أما أن يصبح المسؤول صاحب القرار وناقد القرار في الوقت نفسه، فذلك يترك الرأي العام أمام سؤال أكبر من رقم 280 ملياراً: “من يحاسب من؟”
إنها مهزلة سياسية فعلا هذه التي نعيشها بين ظهراني مسؤولين هم في نفس الوقت جلادون ومجلودون … والله وحده يعلم بالنوايا والحقائق … وعنده سبحانه وتعالى خفايا الأمور وعنده يختصم الخلق فينصف المظلومون ويجازى الظالمون … وللحديث بقية …











