![]()
جريدة النشرة : د. عبد الجليل أبوالمجد
إن الفساد ظاهرة قديمة عرفتها البشرية على مر العصور، وقد كانت العامل الأساسي في انهيار وسقوط أغلب الحضارات والامبراطوريات والأنظمة ومحركا للثورات والانتفاضات قديما وحديثا.
وتزايدت هذه الظاهرة وكذا الاهتمام بها بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، وما الهزات التي يعرفها العالم العربي إلا تعبير صريح عن غضب واستياء الشعوب من الفساد والمفسدين.
والفساد ظاهرة مركبة ومتعددة الأشكال من أبرزها الفساد السياسي الفساد الإداري والمالي والفساد القيمي. ويبقى أشد أنواع الفساد ضررا هو الفساد النقابي، ذلك لأنه يقع من مؤسسات يفترض فيها النزاهة والاستقامة.
فماهي النقابات؟ وما هو العمل النقابي؟ وما المقصود بالفساد النقابي؟ وماهي تجلياته؟
تعد النقابات من أهم التنظيمات الاجتماعية الحديثة التي أنتجتها العبقرية الإنسانية. وهي شكل حضاري للتداول ومعالجة قضايا الشغل وتنظيم الأجراء والدفاع عنهم.
والنقابات في أي بلد من بلاد العالم ما هي في حقيقية الأمر، إلا مرآة تعكس مدى نموها الاقتصادي والاجتماعي. كما أنها تعبير عن واقع سياسي معين يفترض نوعا من التفاوت في القدرة والقوة، وحرية التحرك من بلد لآخر، ذلك أن النقابات شأنها شأن الكائن الحي تكون قوية أحيانا وقد يصيبها الوهن والضعف أحيانا أخرى، نتيجة لما يعتريها من أمراض وعلل وقد يكون مرد ذلك أسباب من داخل التنظيم النقابي ذاته وقد يكون لأسباب وظروف خارجة عنه أو مفروضة عليه.
والعمل النقابي يقوم على مبادئ وأخلاق وقيم إنسانية سامية ، لأنه يرتبط أساسا بمصلحة العمال الكادحين التي يجب أن تعلو فوق كل المصالح، فالنقابة هي الملجأ والملاذ والواجهة التي تقصد لرد الحقوق المسلوبة والمتعدى عليها في حال تسلط أصحاب المال الأقوياء على كرامة الشغيلة لترفع عنهم الحيف والظلم.
وفي هذا السياق كان المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون Louis Masignon (1883ـ1962) يردد بأن هناك عنصرين هما علامتان للنهضة في عالم المسلمين: الحركة النقابية والحركة النسائية.
وخلافا لما سبق، يلاحظ أن العمل النقابي بالمغرب تحول جذريا إلى وسيلة لتحقيق التطلعات الشخصية، للعديد من المسؤولين النقابيين، الذين أصبحت المشاكل النقابية، بالنسبة إليهم، عملة صعبة، يسترزقون بواسطتها، ما أمكنهم الاسترزاق، سلوكيات منافية لروح ومبادئ العمل النقابي الأصيل تتعلق بأشكال مختلفة من الممارسات منها على سبيل المثال لا الحصر الصراع على المناصب والتعويضات والامتيازات ، والتوظيفات المشبوهة، والتشغيل الوهمي وريع التعاضديات والأعمال الاجتماعية…. الخ ، هذه الانحرافات أدت إلى احتضار النقابات المغربية.
وفي ظل هذا الوضع المتردي تجد أغلب المسؤولين في النقابات يتشبثون بمواقعهم ويقاتلون من أجلها لأنهم يعتقدون أن النقابة شركة خاصة أسسوها من عرق جبينهم أو كأنما ورثوها عن أجدادهم لأن الامتيازات السخية والسفريات والرفاهية شيء مغر ولا يمكن التنازل عنه ، كما أنهم يمكن أن يقاتلون بكل الطرق الملتوية لوأد كل صوت نقابي يطالب برحيلهم أو يهدد مصالحهم وإمبراطوريتهم الاستثمارية ذات النفع المستمر.
علما بأن العمل النقابي هو عمل نضالي وتطوعي، وغاياته نبيلة، واجب التنازل عنه أمر طبيعي ولكن هذا لا ينطبق على النقابات في المغرب.
هذا الواقع جعل النقابات تغيب عن الفعل المجتمعي وهموم الشغيلة المختلفة والكثيرة في الآونة الأخيرة مما دفع الشغيلة المغربية تجنح إلى العزوف عن النقابات الكلاسيكية والانضمام إلى العمل المستقل في إطار تنسيقيات فئوية أو مجالية أو قطاعية والتي استطاعت أن تحقق ما عجزت عنه النقابات المغربية مجتمعة.
وهكذا تحول العمل النقابي في المغرب إلى مرتع للفساد والزبونية والدعاية السياسية، ليبتعد عن مهمته الأصيلة في الدفاع عن مصالح الطبقة الشغيلة.
و تكمن خطورة الفساد النقابي في الخلل الذي يصيب أخلاقيات وقيم العمل النقابي من انتشار الحيف والظلم، واستعلاء المسؤول النقابي، واستغلال المسؤولية في تحقيق التطلعات الشخصية الضيقة والاستخفاف بالعقول، وهذه عوامل عندما تجتمع، فهي كفيلة بأن تقلب الوضع رأسا على عقب في أي دولة، لكن الخسارة الكبيرة والثمن الباهظ هي أن يصبح حاميها حراميها.
المطلوب اليوم عودة العمل النقابي إلى أسسه السليمة وهذا يمر حتما بتغيير الذهنيات وتجديد النخب وتغيير الإطار التشريعي الحالي لسد منافذ الفساد وردع الانحرافات.
إن الأمل في “غد نقابي أفضل“، لن يتأتى إلا بتكاثف الإرادات الحسنة: إرادة التغيير الإيجابي في ظل عالم متحول، بحيث إن الشغيلة مطالبة بتجاوز خطاب التنفيس (الكلام) وارتياد مسارح الانخراط الراشد في العمل النقابي من خلال الإقبال عليه، لقطع الطريق على الانتفاعيين والسماسرة والانتهازيين الذين لا يخلو منهم أي إطار نقابي.
ومسك الختام، إن الآمال القريبة والآمال البعيدة لن تتحقق ما لم تتغير النفوس « ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” صدق الله العظيم.









