![]()
جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا
إن التاريخ يعيد نفسه فعلا ، ويكفي ان نأخد من أحداثه ووقائعه العبرة . وحتى لا نعود بكم إلى ازمنة غابرة في تمثيل الأحداث التي نحن بصدد تقديمها كمادة تروم توضيح بعض المواقف التي تخص بلادنا وما يجري فيها من أحداث تدعو للاهتمام وتقتضي التفكير العميق في شؤونها التي تعد مصيرية ، لا تدع مجالا للتفكير والاهتمام السطحيين والتبخيس من قيمتها والحط من شأنها حتى لا تعود معادلاتها بنتائج عكسية قد تضر بطرف ما أو تدخل جل الاطراف ، غن لم نقل جميعها ، في دوامة يصعب تجاوزها والخروج من عمقها .
فبعد خروجنا من مرحلة الميوعة التي كرسها عبد الإله بنكيران الرئيس السابق للحكومة المغربية الذي لم يف بوعوده التي تشدق بها ليتبين بعد ذلك أنه ينطلق من فراغ سياسي وضعف في تسيير الشان العام الوطني وتحويله للخطاب السياسي إلى خطاب شعبوي متدن خارج سياق أخلاقيات البروتوكولات الحكومية والبرلمانية التي أصبحت مقراتها عبارة عن فضاءات للتهريج والتمادي في إثارة ما هو خارج سياق تخصصه وواجبه ، ليصبح بذلك قدوة سيئة للمغاربة الذين حدوا حدوه وقلدوه في مباشرة الميوعة بصورة فادحة وفاضحة في كل مكان في الوقت الذي كان فيه على الزعيم أم يحسب الف حساب وحساب لكل خطواته وتصرفاته حت يكون قدوة صالحة للرعية ، جاهلا ما يمكن لذلك أن يحدثه من تأثير سلبي في المجتمع ، حسب ما جاء في قولة مؤسس علم الاجتماع العالم والعلامة الكبير ابن خلدون وما جاء في مقدمته الشهيرة أن “المغلوب مولع أبدًا بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده والسبب أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها” ام انه كان يعلم بذلك ولكنه أراد بالمجتمع المغربي سوءا ؟!
لكن الأسوء هو أن يمد الشعب المغربي يده بالخير ويمنح ثقته الكبيرة لجهات سياسية معينة ، بعد أن كشر عن أنيابه وصب جام غضبه على الحكومة السابقة التي كان يقودها حزب العدالة والتنمية ليعاقبها بالإقصاء شبه الكلي من المشهد السياسي الوطني بواسطة استحقاقات 8 شتنبر 2021 التي عبر فيها عن رفضه القوي لسياسة المسؤولين وعد رضاه عن تسييرهم للشأن العام المحلي والوطني بالمملكة المغربية حكومة وبرلمانا وجهات وجماعات، ليجعلوا البلاد على شفا حفرة تتخبط في العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية … فلم يجد الشعب بدا من إنزال عقابه التاريخي عليهم ليكونوا عبرة لمن يعتبر .
إلا أنه يبدو أن الرسالة لم تصل إلى المعنيين الذين فازوا بثقة المواطنين ومنحوهم الفرصة التي لم يكونوا يحلمون بها ، عسى أن ينبثق عنهم الخير للبلاد والعباد ، هذه الثقة التي كسبوها من خلال الاستحقاقات الأخيرة التي جعلتهم يفوزون بأغلبية مريحة تساعدهم على تسيير البلاد بسلاسة ، عاقدين عليهم الآمال الكبيرة في تحقيق مطامح الشعب المغربي في توفير ظروف العيش الكريم لهم وخلق متنفس للحريات يجعلهم يمارسون حياتهم كبشر ويتطلعون إلى مستقبل زاهر لأبنائهم وبناتهم ويكونوا خير خلف لخير سلف ، حتى لا يبقوا يعيشون في دائرة القهر والتهميش والازدراء ، فالشعوب المقهورة تسوء أخلاقها ، وكلما طال تهميش إنسانها يصبح كالبهيمة لا يهمه سوى اللقمة والغريزة ، كما قال ابن خلدون .
فيبدو أن الحكومة الجديدة ، تبعا لما تقدم عليه من سياسات ارتجالية ، قد تكون مقصودة أو غير مقصودة ، وما تشتمل عليه من صفات التعسف والاحتقار والشطط في استعمال السلطة الذي أصبح المواطن يعايشه منذ توليها مهامها ومسؤولياتها ، ليتبخر حلم المواطنين ، ويصدموا في ثقته العمياء التي أولوها لهذه الحكومة والمؤسسات الجديدة بما فيها من برلمان وغرفة مستشارين وغيرها ، التي عهد إليها بمهمة الدفاع عن حقوق الشعب والحفاظ على مكتسباته القانونية والدستورية بأمانة ، ليصفع على وجهه ويستيقظ من سباته فيجد نفسه في مركب تتجاذبه الأمواج وتلطم ما تبقى من هيكله المتهالك والمهترئ المعرض للغرق في أي لحظة .
وكأن للحكومة المبجلة الجديدة فيضا من غيظ تجاه المواطنين الذين قدموا لها السوط لتجلدهم وتأخذ بثأرها منهم ، فعوض أن تعمل على لم شمل المغاربة وتضميد جراحهم ومساعدتهم على نسيان الصفحات السوداء من الماضي السياسي اللعين الذي جعلهم يعانون ويتذمرون على جميع الأصعدة ، وحيث كان من الضروري ان تعمل هذه الحكومة المبجلة على الانطلاق في نهج سياسة التوقيع والتطبيق ، وليس سياسة التسويف والتعطيل والتمويه وبناء الأوهام ، بل كان من الواجب والضروري عليها الإفصاح عن نيتها الحسنة بتبني سياسة إيجابية وهادفة لمعالجة كل الأخطاء التي ارتكبتها سابقاتها والعمل على إيجاد حلول مناسبة وجادة للمشاكل التي تتخبط فيها البلاد والعباد ، في حين أن الحكومة الجديدة المحترمة لم تكلف نفسها عناء الإصلاح الحقيقي والجاد بقدر ما اكتفت بمزيد من التنزيل لمعيقات العمل السياسي والاقتصادي والصحي والتعليمي وغير ذلك من مجالات الحياة التي أصبح المواطنون يخوضونها بشتى المصاعب والغكراهات التي تزيد من تأزيم أوضاعهم المادية والمعنوية ليصدق فيهم مثل ” ما قدرش على فيل زادوه فيلة” ليجد نفسه يتخبط في مزيد من المشاكل التي أثقلت كاهله كارتفاع أسعار المواد الغذائية كالدقيق والزيت والخضر … والزيادة في المواد الاساسية بطريقة صاروخية غير معقولة منها المحروقات التي تعتبر عصب الصناعة والاقتصاد والنقل ، ناهيك عن قرارات عبثية وجائرة تصدرها الحكومة الجديدة في حق المواطنين المغلوبين على أمرهم لتشكل ضغطا قويا على المستضعفين وتسبب الفتنة التي قد تؤدي إلى ما يسير عكس تيار الحكومة هذه .
وقد وصف ابن خلدون منذ قرون خلت عدة حالات مجتمعية وسياسية وكأنه يعيش معنا في زمننا هذا حين قال رحمة الله عليه : “عِندما تَنهار الأَوطان يَكثر المُنَجِمون والمُتَسَوّلون والمُنَافِقُون والمُدَّعون والقَوَّالون والمُتَصَعلِكون وضَارِبوا المَندَل وقَارئوا الكَف والطَالع والمُتَسَيسون والمَداحُون والإِنتِهَازيون فَيَختَلطُ ما لا يُختَلط ويَختَلطَ الصِدق بِالكَذب والجِهاد بِالقَتل ويَسود الرُعب ويَلوذَ النَاسُ بِالطَوائف ويَعلو صَوت البَاطل ويَخفُت صَوت الحَق وتَشح الأَحلام ويَموت الأَمل وتَزداد غُربة العَاقل ويُصبِحَ الانتماء إِلى القَبيلَةِ أَشَد إِلصَاقاً وإِلى الأَوطان ضَرباً مِن ضَروبِ الهَذَيَان”
فنتمنى ألا أن يبقى مجتمعنا صحيحا معافى وألا تشوبه صفات الفساد والضعف أبدا ، بل نتمنى المزيد من التكثل والتضامن والتعايش والتكافل لنقوي أسس روابطنا القوية الدائمة ، ونمضي ببلادنا إلى مصاف البلدان المتقدة والرائدة تحت ظل المملكة المغربية الشريفة و العتيدة ، وراء الخطوات الوئيدة والسديدة لقائدها وحامي حماها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيدة … وللحديث بقية .










