![]()
جريدة النشرة : عبد الجليل أبوالمجد
تعد الرياضة عموما وكرة القدم خصوصا، إحدى الممارسات السوسيوثقافية التي تساهم في صقل شخصية الإنسان وتقويتها وإعداد وإبراز أشكال التلاحم الاجتماعي والوطني.
وتساهم الرياضة وكرة القدم على وجه الخصوص، في تنمية القيم الأخلاقية وتقوية الشعور بالانتماء للأوطان، حتى قيل “إذا كنت تعيش في مجتمع يعاني من ارتفاع معدلات العنف وجنوح الأحداث، فإن أفضل شيء يمكن أن تفعله هو بناء ملعب كرة قدم، وليس استدعاء الشرطة”، هذه المقولة أثبتت فعليا أن كرة القدم بما تحتويه من إثارة ومتعة، وبشعبيتها الجارفة على مستوى العالم قادرة فعلا على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع وسلوكياته، وقد ثبت فعليا أن كرة القدم بوسعها كبح جماح العنف، والحد من معدلات التحاق العاطلين والقاصرين بعصابات الجرائم، إذ يجد هؤلاء في ملعب كرة القدم ما يمنحهم مساحة للتفكير العقلاني حول حياتهم وأمانيهم وتطلعاتهم المستقبلية، خصوصا في ظل المستقبل الواعد الذي باتت توفره كرة القدم للاعبين المهرة في هذه اللعبة السحرية.
وفي العقود الأخيرة فرضت هذه الرياضة الشعبية نفسها عالميا بعد أن أصبحت صناعة يحكمها الكثير من قواعد “البزنس” والربح المالي والاحتراف الرياضي.
في كتابه “كرة القدم بين الشمس والظل” يكشف الكاتب الراحل إدواردو غاليانو Eduardo Galeano (1940-2015)، أحد أبرز الكتاب في أمريكا اللاتينية، قبح وجمال هذه اللعبة، وكيف أنها تعكس حقيقة هذا العالم، فيقول غاليانو: “كرة القدم مرآة العالم، تقدم ألف حكاية وحكاية فيها المجد والاستغلال والحب والبؤس، وفيها يبدأ الصراع بين الحرية والخوف من المطالبة بها، باتت كرة القدم تخضع لقوانين السوق، بحيث يلعب اللاعبون من أجل الربح أو لمنع خصومهم من الربح، فيما يظهرون بين الناس كمن يجعل الوهم ممكنا”.
مغربيا ارتبطت كرة القدم بالسياسة والسلطة على مدار تاريخها. وكانت بمثابة البوابة التي حاول الكثيرون من السياسيين وغيرهم عبورها للتقرب من الجمهور، عبر اللعبة الشعبية الرقم واحد.
ففي السبعينيات من القرن الماضي تم توظيف كرة القدم بشكل مثير للاستغراب، إذ يذكر الباحث المغربي الدكتور منصف اليازغي في كتاب “مخزنة الرياضة”، إحدى الوقائع التي تثير الاستغراب في كرة القدم المغربية، فعندما كان الحسين الدليمي، رئيس اتحاد سيدي قاسم وأب الجنرال أحمد الدليمي يتحكم في نتائج مباريات فريقه ويدخل الملعب لصفع حكم تسبب في هزيمة فريقه، أو لإنهاء المباراة قبل وقتها في حال كان فريقه متقدما.”. لكن اليوم مثل هذه الممارسات وغيرها تلاشت بسبب القوانين الصارمة للاتحاد الدولي لكرة القدم.
ومؤخرا، شكلت كرة القدم الوجهة الأمثل للأحزاب السياسية، من أجل استعادة ثقة المواطن وتعزيز حضورها المجتمعي، بعدما تراجعت أدوارها وتآكلت شعيبتها. وهذا راجع بالدرجة الأولى لسوء التدبير السياسي للحكومات المتعاقبة، لاسيما حكومة العشرية الأخيرة، مما أسفر عنه اتشار ثقافة شعبية معادية للفعل الحزبي.
وفي ظل الضعف وغياب الدينامية الحزبية حاولت بعض الأحزاب في السنوات الأخيرة الاستعانة بكرة القدم لتقوية صفوفها، وتوسعت “موضة” ترأس ناد لكرة القدم داخل الأحزاب السياسة. القاسم المشترك بين كل هذه الممارسات هو الركض وراء المصالح والمراكز والمكاسب دون أن يكون لذلك أي تأثير على مستوى العمل السياسي العام.
اقتصاديا كرة القدم باتت أول وأكبر اقتصاد في المغرب وأفريقيا ،بعدما أصبحت ميزانية الجامعة الملكية المغربية الأعلى في القارة السمراء مقارنة بباقي ميزانيات الاتحادات الكروية التي لعبت المنافسات الافريقية الأخيرة، فجامعة الكرة أعلنت في تقريرها المالي الأخير، أن ميزانيتها في الموسم الكروي المنصرم وصلت إلى 880 مليون درهم (87.9 مليون دولار).
ورغم هذه الميزانية الضخمة للجامعة والأرقام التي تصرف على الدوري الاحترافي وعلى المنتخبات الوطنية، النتيجة غير مشرفة، باستثناء الفوز بكأس إفريقيا سنة 1976 والفوز بدورتين لكأس أفريقيا للمحليين، والتي لا تشارك فيها المنتخبات القوية.
وما زاد الأمر سوءا، رجوع المنتخب المغربي خاوي الوفاض من جديد، ترك مرارة في قلوب الجماهير الكروية المغربية، خاصة وأن لعنة الهزائم في كرة القدم باتت تطارد المنتخب المغربي منذ عقود، حتى غدت عقدة نفسية لدى الكرة المغربية، بعد تجريب مدربين ولاعبين مرة تلوى الأخرى، لكن دون جدوى.
هنا يستنتج أن العيب ليس في المدرب ولا في اللاعبين، فلو تم استقدام أي مدرب عالمي، فمصيره الفشل، لأن أصل المشكل معروف وهو يكمن في التدبير والتسيير.
ومجمل القول، كرة القدم صارت صناعة وسياسة واقتصاد، لكن للنهوض بهذه الرياضة العالمية والشعبية يتعين تغيير كثير من الأمور والسلوكيات والتصرفات، دون ذلك لن يصلح شيء في هذا البلد العزيز من المؤسسات إلى ملاعب كرة القدم.










