![]()
جريدة النشرة : مصطفى الفن
ما أعرف أن قطاعي الماء والكهرباء لهما علاقة مباشرة بسيادة البلد..
وما أعرف أيضا أن هذين القطاعين لهما ارتباط وثيق ربما حتى بالأمن القومي والسلم الاجتماعي للبلد..
وربما لهذا السبب أيضا، يحظى هذا القطاع بعناية ملكية استثنائية..
وهذا مفهوم ومتفهم خاصة في مثل هذه الظروف الصعبة التي يواجه فيها بلدنا تحديا حقيقيا وهو تحدي ندرة المياه وتحدي العطش وتحدي الجفاف..
والمؤشر على هذه العناية الملكية الاستثنائية لا يتجسد فقط في العديد من “لقاءات العمل” التي ترأسها ملك البلاد لبحث وتدارس الحلول الناجعة لما يعتري هذا القطاع من أعطاب..
بل إن جلالته قد يتصل هو شخصيا ببعض المسؤولين الذين مروا بالمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب لإعطاء التعليمات وأيضا لمعرفة كل صغيرة وكبيرة حول سير هذه المؤسسة العمومية التي ارتبطت بحياة المغاربة لعقود طويلة من الزمن..
لكن مؤسسة، بهذه الحساسية وبهذا الدور الاجتماعي الوطني الكبير الذي تقوم به، ينبغي تحصينها وينبغي تمنيعها وينبغي حمايتها من “أعشاش” بعض الشبكات العابرة للمديريات التابعة للمؤسسة نفسها..
كما أن مؤسسة، بهذا الدور الوطني لا سيما بعد ترحيل قطاع التوزيع إلى هذه الشركة الجهوية المتعددة الخدمات هنا بجهة الدار البيضاء، لا ينبغي إغراقها بمن هب ودب وبالمقربين والمتحكم فيهم عن بعد..
ولا ينبغي إغراقها أيضا بأصحاب الشركات الموازية والذين قد يفوتون الصفقات ثم يعترضونها من خلف الجدران وأمام أبواب المؤسسة..
وأيضا لا ينبغي إغراقها بأصحاب الملفات الذين أطاح ببعضهم الرقم الأخضر..
كما لا ينبغي إغراقها أيضا ببعض “البروفايلات” المطرودة في قضايا فساد منذ عهد المدير العام الأسبق يونس معمر..
ثم إن الأصدقاء والمقربين وأصحاب الملفات لا يمكن لهم أن يشكلوا “فريق عمل” بقدر ما يشكلون “كائنا عجائبيا” يغني أهله وأصحابه ويعرقل أي “عمل صالح” وكل ما ينفع الوطن والناس..
ولن أتحدث هنا عن “انحرافات” خطيرة وكثيرة وقعت بهذه المؤسسة.. وأيضا عن مسؤولين أعرف بعضهم بالاسم تستروا على هذه “الانحرافات” حتى لا أقول إن البعض منهم لعبوا دورا في توسيع رقعة “الانحراف”..
وقع هذا حتى أن هذه “الانحرافات” خلفت عاهات نفسية مستديمة وخلفت ضحايا كثيرين وخلفت معذبين في الأرض..
لكن يبقى أخطر ملف داخل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب والذي لم يفتح أبدًا في تاريخ هذه المؤسسة هو ملف “النقب والنقابة” وملف مجلس الأعمال الاجتماعية المعروف ب”الكوس” والذي يبيض ذهبا وجاها وامتيازات لا تغرب عنها الشمس..
وأتحدث هنا عن مسؤولين نقابيين بالتحديد لأني لا أعرف ماذا يفعل بعضهم وسط عمال الطاقة البسطاء لأن المكان الطبيعي لهؤلاء هو اتحاد العام لمقاولات المغرب مع الباطرونات ومع شكيب لعلج رئيس هذا التجمع المقاولاتي الذي يضم كبار الأثرياء بالبلد..
كما أني لا أفهم أيضا كيف أن البعض من هؤلاء النقابيين تقاعدوا وأطلوا على ال70 سنة لكنهم ظلوا يمددون لأنفسهم عبر تواطؤ أكثر من إدارة فقط ليحافظوا على “سلم إداري” ثابت يضمن لهم الخلود والألوهية في تدبير أموال مراكز الاصطياف وأموال الاعمال الاجتماعية..
المثير في هذا الملف “الخانز فلوس” هو أن بعض المسؤولين النقابيين يريدون أن يحولوه إلى “أصل تجاري” دائم وإلى جمعية عائلية “شريفة” يعيش منها الأبناء والأحفاد وأنباء الأحفاد إلى أن يرث الله للأرض ومن عليها..
وطبعا يجري كل هذا القبح عبر الإكراه وعبر الترهيب وعبر اضطهاد الأصوات المعارضة وبدون انتخابات وبدون صناديق اقتراع وبدون استشارة ولو شكلية مع العمال كما لو أننا في جامعة نقابية تابعة للاتحاد السوفياتي رحمه الله..
كما لست في حاجة إلى أن أذكر أيضا بأن البعض من هؤلاء النقابيين كانوا مجرد تقنيين بسطاء و”شبه عراة” و”شبه حفاة” وب”فوقيات” خليجية مثقوبة من كل جانب..
لكنهم اليوم، وبفضل العمل النقابي وبفضل التفرغ النقابي وبفضل هذا التمديد الدائم لسنوات العمل الوهمي وبفضل تواطؤ بعض الإدارات، أصبحوا اليوم يتحركون بميزانيات ضخمة لا يتوفر عليها حتى بعض رؤساء الدول في إفريقيا..
بقي فقط أن أقول إن المشكل رقم واحد في هذه الشركات الجهوية الجديدة خاصة هنا في الدار البيضاء هو داخلي في المقام الأول..
وهو أيضا هذه الخلايا النقابية التي تتحرك بصلاحيات تفوق صلاحيات حتى المدراء العامين المعينين بظهائر ملكية..
ولأن الأمر كذلك فقد قاموا، رفقة خلاياهم، بهروب جماعي إلى مديريات آمنة كالنقل والإنتاج حتى قبل إلحاق قطاع التوزيع بالشركة الجهوية الجديدة بجهة الدار البيضاء..
..









