![]()
جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … عشنا طفولتنا متآلفين متكاملين في حماسنا الرزين وطيشنا المكبوح بالنواهي والتوجيهات الصادرة في كل حين ومن كل المصادر القريبة والبعيدة التي كنا نكن لها كل الاحترام والتقدير ، دون التمييز بينها انطلاقا من أولياء أمورنا والأهل والجيران …هؤلاء الذين كانوا ينوبون عن أبوينا في تبنينا في الشارع والفضاءات العامة ، وأينما صادفناهم لا يبخلون عنا بنصائحهم وتوجيهاتم التي قد تكون قاسية أحيانا كثيرة ، يهدفون من ورائها إلى ردع المشاكسة فينا وتصحيح ما نقوم به من أخطاء وتصرفات خارجة عن المألوف واللازم المتعارف عليه اجتماعيا وتربويا وأخلاقيا …
كنا نحترم كل من هو أكبر منا سنا ونطيع أوامره دون شك أو تردد ، بل نعتذر له عما يصدر عنا من مواقف تخدش الحياء أو تحرج الغير ، لنقدم أسفنا بكل احترام وإجلال واعتراف بجميل احتمالنا وتوجيهنا.
كنا كخلية نحل تجمع بيننا الألفة ويسعنا محيطنا ويضمنا عالمنا الضيق الواسع لنسعد في أحضانه ونخلق فيه متسعا من الغبطة والسرور ، ونجيز للحظات الفرح فضاءات أكثر رحابة من غيرها ، بحيث كنا نبتدع أنواعا وأشكالا من الألعاب انطلاقا من واقعنا الذي كان يفتقر لكل الإمكانيات والوسائل الحقيقية التي تساعد فعلا على تحقيق ما تصبو إليه نفس كل طفل في حيازة لعبة حقيقية ينعم بلذة الاستئناس بها وينتشي مستمتعا بامتلاكها ، وإن تحقق ذلك يوما سواء بالنسبة لي أو لغيري من أقراني ، فحدث ولا حرج … وكأنه عرس يعم أزقة درب الصوفي ، وهو أحد الأحياء القديمة بالدار البيضاء المحايد مباشرة للمعرض الدولي ، هذه الأزقة الضيقة الممتدة إلى ما لا نهاية ، ويحيل العرس فضاءها إلى ساحة لعب تسع فرحتنا العارمة وتساير أحلامنا …
بل تتجاوزها إلى غاية الإشباع والسخاء لنجود بهذه اللعب على كل من كانت في عينيه من أقراننا لهفة إلى الاستمتاع بها ومحاولة عرضها على أفراد أسرته وغيرهم مبديا شغفه وإعجابه بها ومستأنسا بها ، لدرجة احتضانه لها وجعلها تتقاسم معه فراشه ، سواء لبرهة أو مدة قد تطول ، لكن ليس أكثر من ليلة واحدة ، لتجمعنا مرة أخرى في اليوم الموالي ، على أجواء الاحتفاء بها كإنجاز يفتخر به جميع عناصر الشلة على شوق مفعم بحرارة الرغبة في مناولتها سواء فرديا أو جماعيا ، لا يهم إن تحقق دوره في ذلك أم لا ، بحيث يحس بالمتعة في كل الأحوال ، ولو من خلال مناولة أقرانه لها تجده متحمسا بحركاته وصراخاته المعبرة عن الفرح والسرور اللذين يغمرانه ويملآن أحشاءه التي تنفرج عن قهقهات غريبة في غاية البراءة ، لا تفسر إلا بالغبطة التي تجعله هي الأخرى يقدم على حركات تملأ الأرض والهواء بخفة متناهية وقفزات خاطفة تحاكي مهرا طليقا في البرية يسابق الريح بحركات بهلوانية في عناد مع ظله واعتدادا بنفسه .
ثم تتعالى لحظات النشوة حين يأتي دوره في المناولة ، والذي كان ينتظره على أحر من الجمر ، في شوق عارم لا يضاهيه شوق ، ليلج عالم الأحلام في منتهى درجاته وتنوع أوجه حالاتها ، والذي لازال يشك في حقيقة اقتناص تحققها من عدمه الأمر الذي كان يبدو له أمرا مستحيلا إلا في الحلم المنبعث من فراش النوم وتمثلات الخيال الذي يسبح فيه أحيانا كثيرة حين يتطلع إلى تحقيق آمال غابت عن الواقع والحقيقة ولو بالتمني …
فتراه مرة ممارسا للعبة وأخرى مكتفيا بدخوله في حالة انتشاء وفرح مغمور بهستيريا الضحك الذي لا يستطيع كبده والتحكم فيه ، مما يجعله يستسلم كليا للضحك القوي والقهقهة العالية ، ليخر مستلقيا على الأرض متخبطا من شدة اللحظة الأخادة التي غزت كل عواطفه وجوارحه واكتسحتها بلا رحمة أو رأفة أو شفقة لتسبيه وتجعل منه عبدا مطيعا لتجليات الغبطة والسرور زيادة عن اللزوم التي أدخلته في حالة جعلته يلج عالما عجيبا وغريبا لا يحس به إلا من كان يمر باللحظة ويحس بتفاصيل النشوة التي يستمتع بها مع كل عناصر الشلة الذين يقدرون كل ذلك ويستقبلونه بكل قابلية وأريحية … بل يقدمون على مشاركته نفس اللغة التعبيرية البريئة ، غير مبالين جميعا بما قد يكون مثيرا منها بالنسبة لعيون الفضوليين التي تشق فضاء حريتهم متبوعة بحركات أو عبارات تكون أحيانا إيجابية بالنسبة للصغار وتخلق لديهم انطباعا طيبا، فيزداد حماسهم وتتسع فرحتهم ، وإما سلبية تتضمن إشارات بعدم الرضى عن هذه التصرفات التي تكون قد تجاوزت بعض الخطوط الحمراء ، للعمل على الحد من جموحها إرضاء للآخرين ، الكبار ، الذين يحترم رأيهم ومواقفهم ويتبع نصحهم ، باعتبارهم مصححين لأخطائهم الصغار وموجهين لهم ومتابعين لسلوكاتهم وتصرفاتهم … وللحديث بقية.











