![]()
جريدة النشرة :عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … منذ تولي زكية الدريوش مسؤولية قطاع الصيد البحري، أصبحت في مواجهة مباشرة مع ملفات ثقيلة ومتراكمة، خصوصاً الصيد التقليدي، حماية الثروة السمكية، تسويق المنتجات البحرية، ظروف البحارة، والبنيات التحتية للموانئ.
واللافت أن الانتقادات الموجهة إلى تدبير القطاع لم تعد تقتصر على المهنيين، بل وصلت إلى البرلمان، حيث أثيرت خلال سنة 2026 ملفات مرتبطة بالفوضى في تسويق الأسماك، والبيع خارج القنوات القانونية، وظروف اشتغال البحارة، وضعف بعض التجهيزات والبنيات التحتية، والحماية الاجتماعية.
وسنحاول طرح بعض المواقف العملية والحقائق الضرورية لتوضيحها أكثر وذلك من خلال الملفات التالية :
1. استمرار اختلالات تسويق الأسماك
من أبرز الملفات التي تضع كتابة الدولة أمام المساءلة قضية تسويق الأسماك خارج المسالك القانونية. فقد أثير برلمانياً أن جزءاً من المنتجات السمكية لا يمر عبر القنوات الرسمية، وهو ما يطرح أسئلة حول شفافية السوق، ومراقبة الكميات المصطادة، والموارد المالية التي يفترض أن تعود إلى الدولة والقطاع. وهنا يبرز السؤال الأساسي وهو “إذا كانت الدولة تملك منظومة للمراقبة والتصريح بالمصطادات، فلماذا يستمر الحديث عن جزء من الأسماك التي تباع خارج الموانئ والقنوات المنظمة؟”
2. هشاشة الصيد التقليدي
الصيد التقليدي يمثل شريحة واسعة من المهنيين، ووفق معطيات رسمية عرضتها الدريوش أمام البرلمان، يساهم القطاع بـ23% من قيمة الإنتاج الوطني ويوفر حوالي 60 ألف منصب شغل مباشر، فيما بلغت قيمة منتجاته سنة 2024 نحو 3.8 مليارات درهم.
لكن ضخامة هذه الأرقام تطرح مفارقة: كيف يمكن لقطاع بهذه الأهمية الاقتصادية والاجتماعية أن تظل فئات من العاملين فيه تعاني من الهشاشة الاجتماعية والمهنية؟
وقد تناولت مساءلة برلمانية خلال أبريل 2026 تحديداً مشاكل التغطية الصحية، والعشوائية في تدبير وتسويق المنتوج، والإكراهات الاجتماعية والبنيوية التي تواجه المهنيين.
3. حماية الثروة السمكية: الاختبار الأصعب
ربما يكون هذا الملف هو الاختبار الحقيقي لأي مسؤول عن القطاع ، فالمشكلة ليست فقط في كمية الأسماك التي يتم صيدها اليوم، وإنما في هل يتم الحفاظ على المخزون السمكي للأجيال المقبلة؟
وكانت انتقادات سابقة قد ركزت على ضرورة وقف استنزاف الثروة السمكية وتشديد مراقبة بعض أنماط الصيد، وهو ما يجعل تدبير الموارد البحرية أحد أهم المعايير التي ينبغي تقييم حصيلة كتابة الدولة على أساسها.
4. البنية التحتية وسلامة البحارة
من الملفات التي ما زالت مطروحة كذلك وضعية عدد من الموانئ والبنيات المرتبطة بالصيد التقليدي، إضافة إلى شروط السلامة والحماية الاجتماعية للبحارة.
وهنا لا يكفي الحديث عن برامج ومشاريع مستقبلية؛ بل المطلوب هو قياس النتائج على الأرض من خلال طرح الأسئلة التالية : كم ميناء جرى تأهيله؟ كم بحاراً تحسنت ظروف عمله؟ وما حجم حوادث الشغل والوفيات؟ وهل وصلت الحماية الاجتماعية فعلاً إلى جميع المستحقين؟
5. ملف الدعم والشفافية
في 2025 أثار دعم يفوق مليار سنتيم لمشروع في مجال تربية الأحياء المائية جدلاً سياسياً ومهنياً، بعدما طُرحت أسئلة برلمانية حول معايير الاستفادة من الدعم وتكافؤ الفرص. الدريوش أوضحت أن الأمر يتعلق ببرامج ممولة من مؤسسات دولية، منها البنك الإسلامي للتنمية والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، وأن الهدف هو دعم المشاريع وليس الأشخاص.
وهذا الملف يستحق تحقيقاً مستقلاً، ليس لإدانة أحد، وإنما للإجابة عن سؤال بسيط وهو هل تصل أموال الدعم إلى أكثر المشاريع حاجة ونجاعة، أم أن الاستفادة منها تظل حكراً على القادرين على إعداد الملفات والوصول إلى دوائر القرار؟
6. أزمة الثقة داخل القطاع
والأخطر من الاختلالات التقنية هو احتمال اتساع المسافة بين الإدارة والمهنيين ، ففي يوليوز 2026 ظهرت قضية أكثر حساسية، بعدما تقدم مهني بشكاية إلى النيابة العامة تحدث فيها عن استغلال مزعوم للنفوذ وطلبات مالية من أشخاص قال إنهم مرتبطون بمحيط كاتبة الدولة، في ملف يتعلق برخصة لإعادة بناء سفينة. هذه مجرد ادعاءات واردة في شكاية، ولا تعني ثبوت المسؤولية على الدريوش أو على الأشخاص المشتكى بهم، ويبقى الحسم من اختصاص الجهات القضائية المختصة.
وهذا لابأس أن نتساءل عما إن كانت المشكلة في شخص زكية الدريوش أو أي مسؤول كان سيحل مكانها ، بقدر ما هي في حصيلة تدبير قطاع استراتيجي بالنسبة للمغرب ؟
لهذا كان لابد من طرح العديد من الأسئلة التي بإمكاننا من خلالها تنوير التحقيق وهي كالتالي : هل تراجعت مظاهر الصيد غير القانوني؟ هل أصبحت عملية تسويق الأسماك أكثر شفافية؟ هل استفاد البحار البسيط فعلاً من برامج الحماية الاجتماعية؟ هل تم الحد من استنزاف الثروة السمكية؟ هل أصبحت الموانئ أكثر أمناً وتجهيزاً؟ هل توزع الدعم وفق معايير واضحة وقابلة للتدقيق؟ وهل توجد آليات فعالة لمحاسبة أي شخص يستغل موقعه أو علاقاته داخل القطاع؟
وبالتالي، فإن الحكم على تجربة الدريوش يجب ألا يكون بناءً على تصريحات مؤيديها أو منتقديها، وإنما على مؤشرات قابلة للقياس: المخزون السمكي، مداخيل المهنيين، أسعار الأسماك، حجم المصطادات المصرح بها، عدد حوادث البحارة، الدعم العمومي، ووضعية الموانئ.
ومن خلال هذه المعطيات يمكن تحقيق معارف منطقية وقوية حول الموضوع وبكل مصداقية دون حيف أو محاباة لأي طرف معني بإصلاح القطاع أم إدارة أزمة متراكمة؟
وحتى نكون منصفين ، سنحاول تناول التحقيق بصيغة نقدية قوية، لكن بطريقة مهنية وواقعية ، بحيث نفرّق بين الوقائع المثبتة، والانتقادات السياسية والمهنية، وبين الادعاءات التي لا يجوز تقديمها كحقائق قبل حسمها رسمياً.
وذلك من خلال الإجابة عن السؤال التالي :
زكية الدريوش والصيد البحري: إصلاح القطاع أم إدارة أزمة متراكمة؟
بين وعود الحكامة واستنزاف الثروة السمكية.. من يدفع ثمن اختلالات البحر المغربي؟
ففي المغرب، لا يتعلق الصيد البحري بمجرد نشاط اقتصادي يوفر الأسماك للسوق الوطنية أو العملة الصعبة من خلال التصدير. إنه قطاع يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي، وبمصالح عشرات الآلاف من البحارة والصيادين، وباقتصاد مدن وموانئ بأكملها، وبثروة طبيعية يفترض أن تكون ملكاً للأجيال الحالية والمقبلة.
ولهذا فإن تقييم أداء المسؤولة الحكومية عن القطاع، زكية الدريوش، لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة شخصية، كما لا ينبغي أن يكتفي باستعراض البرامج الحكومية والأرقام الإيجابية.
السؤال الحقيقي هو: هل استطاعت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري الانتقال بالقطاع من منطق تدبير الأزمات إلى منطق الإصلاح العميق، أم أن المشاكل القديمة ما تزال تنتج نفسها بأشكال جديدة؟
فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً أمام معطى رسمي لافت للنظر ويتجلى في أن القيمة المضافة لأنشطة الصيد البحري تراجعت سنة 2025 بنسبة 13 في المائة، بعدما كانت قد سجلت نمواً بنسبة 8.8 في المائة سنة 2024. وتوقعات 2026 تتحدث عن انتعاش طفيف فقط.
البحر الذي يفقد ثروته
إن المغرب يتوفر على واجهتين بحريتين وثروة سمكية هائلة، لكن الوفرة الطبيعية لا تعني بالضرورة استدامة المورد.
فالقطاع يعيش منذ سنوات تحت ضغط الصيد المكثف، والتغيرات المناخية، وارتفاع حرارة المياه، وتغير مواقع الأسماك، وتراجع بعض المصايد.
وتشير دراسة حديثة حول السواحل المغربية إلى تغيرات مناخية في درجة حرارة سطح البحر وتراجع في بعض مؤشرات صعود المياه الغنية بالمغذيات، وهي عوامل يمكن أن تكون لها انعكاسات مباشرة على توزيع الموارد السمكية وعلى مستقبل المصايد.
وهنا تطرح مسؤولية الإدارة سؤالاً جوهرياً وهو كالتالي ، هل سياسة تدبير الثروة السمكية تسير بسرعة التغير الذي تعرفه البيئة البحرية؟
فالمشكل لم يعد فقط في عدد القوارب أو حجم المصطادات، وإنما في قدرة الدولة على معرفة ما يوجد في البحر، وما يتم اصطياده، وما ينبغي تركه للأجيال المقبلة.
الصيد التقليدي الذي يعتبر قطاعا كبيرا لكن أوضاعه لا تزال هشة ، بحيث تؤكد المعطيات التي قدمتها زكية الدريوش أمام البرلمان أن الصيد التقليدي يساهم بـ23 في المائة من قيمة الإنتاج الوطني، ويوفر حوالي 60 ألف منصب شغل مباشر، فيما بلغت قيمة منتجاته سنة 2024 نحو 3.8 مليارات درهم، بزيادة 89 في المائة مقارنة مع 2016.
هذه الأرقام تؤكد أهمية القطاع ، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً ، بحيث أنه إذا كان الصيد التقليدي بهذا الحجم وهذه الأهمية، فلماذا ما تزال شريحة من العاملين فيه تعاني من الهشاشة، ومن مشاكل الحماية الاجتماعية وظروف العمل والتسويق؟
فالنجاح الحقيقي لأي سياسة عمومية لا يقاس فقط بقيمة الإنتاج، وإنما أيضاً بما يصل إلى البحار الصغير والصياد التقليدي من دخل وحماية وكرامة مهنية.
من البحر إلى المائدة.. أين تضيع القيمة؟
ربما تكون الحلقة الأكثر حساسية في منظومة الصيد هي تلك التي تقع بين لحظة خروج السمك من البحر ولحظة وصوله إلى المستهلك.
فالمواطن المغربي كثيراً ما يجد نفسه أمام مفارقة غريبة ، بلد بحري بامتياز، لكنه لا يحصل دائماً على السمك بأسعار تتناسب مع قدرته الشرائية!!!.
وهنا عاد البرلمان خلال 2026 إلى إثارة قضية الوسطاء وما يسمى شعبياً بـ”فراقشية السمك”، مع مطالب بتشديد المراقبة وتأمين وصول الأسماك إلى المستهلك بأسعار معقولة ، وهذا يفتح واحداً من أكبر ملفات التحقيق في القطاع:
كم يخرج ثمن السمك من عند الصياد؟ وكم يصبح عند البيع بالجملة؟ وكم يصل إلى المستهلك؟ ومن يستفيد من الفارق؟
إذا كان الصياد يشتكي من ضعف المردودية، والمستهلك يشتكي من الغلاء، فمن المستفيد إذن من هذه السلسلة الطويلة؟
“بيع السمك في عرض البحر”.. النفي الرسمي في مواجهة الشكوك
في يناير 2026، نفت زكية الدريوش بشكل قاطع الادعاءات المتعلقة ببيع السمك في عرض البحر، مؤكدة أن منظومة المراقبة تعتمد على الأقمار الصناعية وعلى تدخل البحرية الملكية والدرك الملكي والمصالح المختصة. كما أعلنت الحكومة إجراءات مرتبطة بتموين السوق الوطنية، من بينها منع تصدير السردين المجمد ابتداء من فبراير 2026.
إذا كانت منظومة المراقبة بهذه القوة، فإن السؤال الصحفي من خلال هذا التحقيق لا ينبغي أن يكون اتهاماً، بل اختباراً للمنظومة:
فكم عدد المخالفات التي تم ضبطها؟ كم محضراً أنجز؟ كم مخالفة انتهت إلى عقوبات؟ وما حجم الأسماك التي تم حجزها أو منع تسويقها؟ فالشفافية لا تتحقق بمجرد القول إن المراقبة موجودة، وإنما بنشر نتائجها.
المراقبة.. هل تكفي التكنولوجيا للقام بهذا الأمر ؟
الأقمار الصناعية يمكن أن تحدد موقع السفينة وحركتها، لكنها لا تجيب وحدها عن جميع الأسئلة المتعلقة بما تم اصطياده، وبكيفية التعامل مع المصطادات، وبالسلسلة التجارية التي تأتي بعد التفريغ.
لذلك فإن المطلوب ليس فقط معرفة أين كانت السفينة؟ بل معرفة ماذا اصطادت؟ كم اصطادت؟ أين فرغت؟ من اشترى؟ وبأي سعر؟ وأين انتهى المنتوج؟
هذه الأسئلة هي جوهر الحكامة الحقيقية في قطاع الصيد ، والتي قد تصب سيولها في عدة مجاري نشيطة تساهم في التنمية العامة كقطاع الضرائب وخزينة الدولة ، والخاصة بالقطاع نفسه … فأزمة البحار مثلا ليست أزمة سمك فقط ، فوراء كل قارب يوجد بحار وعائلة ، ولهذا فإن الحديث عن تحديث الأسطول أو رفع قيمة الصادرات لا ينبغي أن يحجب الجانب الاجتماعي.
لقد أطلقت كتابة الدولة مبادرات للتكوين في مهن الصيد البحري، كما شملت إحدى الاتفاقيات برامج تكوين لفائدة 300 مستفيد في مرحلة أولية بعدد من المدن الساحلية، في مجالات من بينها السلامة البحرية وحماية البيئة وصناعة الشباك ، وهي مبادرات يمكن تسجيلها إيجابياً ، لكن الإصلاح الحقيقي يظل مرتبطاً بسؤال أوسع وهو ، هل أصبح البحار المغربي أكثر أمناً اجتماعياً ومهنياً مما كان عليه قبل سنوات؟
وهنا يجب نشر أرقام واضحة حول حوادث الشغل البحرية، والتغطية الاجتماعية، والتعويضات، والتقاعد، وظروف السلامة، والدخل الفعلي للبحارة.
الدعم والاستثمار.. لمن تذهب الفرص؟
من الملفات التي تستحق رقابة أكبر أيضاً برامج الدعم والاستثمار، خصوصاً في تربية الأحياء المائية وتثمين المنتجات البحرية ، فالدولة مطالبة بأن تضمن أن الدعم العمومي لا يتحول إلى امتياز لفائدة القادرين على إعداد الملفات، بينما يبقى الصياد التقليدي خارج دائرة الاستفادة.
فالمعيار ينبغي أن يكون واضحاً كمعرفة من حصل على الدعم؟ ولماذا؟ وبأي شروط؟ وما النتائج التي حققها؟
والأهم هو هل خلق المشروع مناصب شغل؟ وهل رفع الإنتاج؟ وهل حافظ على البيئة؟ وهل استفاد منه الاقتصاد المحلي؟
هذه ليست أسئلة عدائية تجاه الإدارة، وإنما هي أبسط شروط الشفافية في استعمال المال والموارد العمومية.
عندما تصل الانتقادات إلى البرلمان ، والمؤشر الأخطر ليس وجود الانتقادات في حد ذاته، فكل قطاع كبير معرض للنقد.
لكن اللافت أن ملف الصيد البحري أصبح حاضراً بشكل متكرر في النقاش البرلماني، خصوصاً في ما يتعلق بالأسعار، والتسويق، والوسطاء، والفراقشية ، والصيد غير القانوني، ووضعية المهنيين.
ففي 2026 ظهرت مطالب برلمانية بتشديد المراقبة على ما يسمى بـ”فراقشية السمك” وتأمين الحوت بثمن معقول للمواطن…. وللحديث بقية …










