![]()
يوسف سعدون -جريدة النشرة طنجة
(الصورة تعبيرية)
كان للمثقف المغربي، في زمن ليس بالبعيد، موقع مختلف داخل المجتمع. لم يكن حضوره مقتصرا على الكتابة أو إصدار الدواوين أو إقامة المعارض أو الظهور في الندوات، بل كان جزءا من حركة اجتماعية وسياسية وثقافية واسعة. كان المثقف ينزل إلى الشارع، يشارك في النقاش العمومي، يؤطر الجمعيات، يحضر في المنظمات الثقافية، ويضع صوته ومعرفته وخبرته في خدمة قضايا المجتمع.
ولعل الحملات الانتخابية التي كانت تخوضها الأحزاب التقدمية، وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تقدم نموذجا واضحا لهذه الدينامية. فقد كانت الثقافة آنذاك إحدى واجهات الفعل السياسي، وكانت الجمعيات والمنظمات الثقافية والمدنية فضاءات حقيقية للنقاش والتأطير والتعبئة. لم يكن المثقف ينتظر دائما أن تستدعيه مؤسسة أو حزب؛ كان يبادر، ويؤسس، وينظم، ويجادل، ويختلف، وأحيانا يدفع ثمن مواقفه.
كانت أسماء ثقافية وفكرية وفنية وازنة حاضرة في الحياة العامة، لا باعتبارها مجرد «وجوه ثقافية»، وإنما باعتبارها أصواتا تحمل مشروعا مجتمعيا. وكان الانخراط في الشأن السياسي والمدني امتدادا طبيعيا لفكرة الثقافة نفسها: الثقافة باعتبارها وعيا نقديا، والوعي النقدي باعتباره مسؤولية اجتماعية.
من المثقف المنخرط إلى المثقف المتفرج
اليوم تبدو الصورة مختلفة إلى حد كبير.
لقد انكمشت، بدرجات متفاوتة، تلك الدينامية التي كانت تجعل المثقف جزءا من الحياة السياسية والمجتمعية. وتراجع حضور المثقفين في الحملات الانتخابية، وفي النقاشات العمومية، وفي التنظيمات المدنية، وفي التأطير الثقافي المرتبط بالمجتمع وقضاياه.
هل تغير المثقف؟ أم تغيرت السياسة؟ أم أن الاثنين معا تغيرا؟
ربما لا يمكن الإجابة عن السؤال من زاوية واحدة.
فالأحزاب التقدمية نفسها تعيش أزمة عميقة تتعلق بالهوية والمشروع والامتداد الاجتماعي والقدرة على إنتاج خطاب جديد يقنع الأجيال الجديدة. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الأزمة على المؤسسات والمنظمات التي كانت تشكل، في مرحلة معينة، امتدادا طبيعياً للحركة الثقافية والمدنية.
ولعل اتحاد كتاب المغرب يمثل، بما عرفه من أزمات وتوترات وتراجع في الفاعلية، مثالا دالا على هذا التحول. فحين تضعف المؤسسة الثقافية، لا يخسر الكتاب وحدهم، وإنما يخسر المجتمع أيضا فضاءً من فضاءات النقاش والحوار وإنتاج المواقف.
أين ذهب «المثقف المناضل»؟
كان مفهوم المثقف عند أنطونيو غرامشي، يحيل إلى مثقف لا يعيش خارج المجتمع، ولا يكتفي بإنتاج الأفكار، وإنما يرتبط بحركة اجتماعية وبأسئلة الناس وبالصراع من أجل تغيير الواقع.
وفي التجربة المغربية، عرفنا نماذج اقتربت، بدرجات مختلفة، من هذا المعنى. مثقفون وكتاب وفنانون لم يفصلوا إنتاجهم الثقافي عن قناعاتهم السياسية والاجتماعية. بعضهم اعتُقل، وبعضهم تعرض للتضييق، وبعضهم دفع أثمانا مهنية واجتماعية وسياسية باهظة. لكنهم كانوا يعرفون شيئا يبدو أننا نسيناه اليوم: أن الاستقلالية لا تعني الانسحاب من المجتمع، وأن المثقف لا يفقد استقلاله لأنه ينخرط في قضاياه.
بل إن المفارقة أن بعض المثقفين اليوم يرفعون شعار الاستقلالية، لكنهم يمارسونها أحيانا باعتبارها عزلة. يبتعدون عن السياسة حتى لا «تلوث» صورتهم، ويبتعدون عن الجمعيات حتى لا يدخلوا في صراعاتها، ويبتعدون عن الشأن العام حتى لا يدفعوا ثمن مواقفهم.
وهكذا يعود المثقف إلى برجه العاجي، ولكن هذه المرة ليس بالضرورة برجا من الأفكار، وإنما برجا من المسافة الآمنة.
من «المناضل الثقافي» إلى «ضيف المنصة»؟
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الثقافة نفسها بدأت، في بعض السياقات، تفقد وظيفتها النقدية.
فبدلا من أن تكون الجمعية الثقافية فضاء للاختلاف والنقاش والمبادرة، تتحول أحيانا إلى واجهة للمناسبات. وبدلا من أن يكون الفنان أو الكاتب صاحب موقف، يصبح مجرد اسم مطلوب لتأثيث نشاط أو صورة أو منصة.
هنا تظهر ظاهرة أخرى لا يمكن تجاهلها: اقتصاد الظرف…
لا نعمم، بالطبع. فما زالت هناك أسماء ثقافية وفنية ترفض الارتهان، وتحافظ على استقلاليتها، وتدفع ثمن مواقفها، وتصر على أن يكون الفن والثقافة موقفاً قبل أن يكونا امتيازا.
لكن في المقابل، أصبح من الصعب أحيانا ألا نلاحظ مثقفين وفنانين يتحركون حيث تتحرك الدعوة، وحيث يوجد الظرف، وحيث توجد المنصة، وحيث يمكن الحصول على الاعتراف أو الامتياز.
لقد أصبح السؤال، في بعض الحالات، ليس: ما موقفك؟
بل: من دعاك؟
وليس: ماذا تقول؟
بل: ماذا ستستفيد؟
وهذه ليست أزمة أخلاق فردية بقدر ما هي، في جانب منها، نتيجة لبنية ثقافية وسياسية جديدة جعلت الاستقلال أكثر كلفة، وجعلت القرب من مراكز القرار أكثر إغراء.
هل انتهى زمن المثقف السياسي؟
ربما لا.
فالتاريخ لا يتحرك في خط مستقيم، والثقافة لا تموت لأنها فقدت لبعض الوقت موقعها في المجال العام. وقد تكون الأزمة الحالية نفسها مقدمة لولادة شكل جديد من المثقف: مثقف لا يكرر نماذج الماضي، ولكنه يستعيد جوهرها؛ أي القدرة على السؤال، والاعتراض، والمبادرة، والارتباط بالمجتمع.
نحن في حاجة اليوم إلى مثقف لا يكون تابعا للحزب، لكنه لا يخاف من السياسة. وفنان لا يتحول إلى بوق، لكنه لا يختبئ خلف اللوحة هربا من أسئلة عصره. وكاتب لا يكون موظفا لدى السلطة أو المعارضة، وإنما يكون وفيا أولاً لضميره وللحقيقة.
نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الثقافة باعتبارها فعلا مدنيا وسياسيا بالمعنى الواسع للكلمة، لا باعتبارها زينة للمشهد السياسي.
فالسياسة التي تفقد المثقف تفقد جزءا من قدرتها على إنتاج المعنى، والثقافة التي تنسحب من المجتمع تفقد أحد أهم أسباب وجودها.
لقد كان المثقف المغربي، في مراحل سابقة، حاضرا في الحملات الانتخابية، وفي الجمعيات، وفي النقابات، وفي المنظمات الثقافية، وفي الشارع، وفي السجالات الفكرية. لم يكن حضوره دائما مثاليا ولم تكن التجربة خالية من الحسابات والصراعات، لكن شيئا مهما كان موجودا: الإيمان بأن الثقافة يمكن أن تغير المجتمع.
فماذا حدث؟
هل تراجع المثقف لأن الأحزاب التقدمية تراجعت؟
أم تراجعت الأحزاب لأنها فقدت جزءا من نخبتها الثقافية؟
أم أن الاثنين معا أصبحا ضحية لتحولات أعمق أصابت المجتمع والسياسة والثقافة؟
ربما تكون الحقيقة في مكان ما بين هذه الأسئلة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس أين ذهب المثقف، وإنما:
هل يستطيع المثقف المغربي أن يغادر برجه العاجي من جديد، وأن يستعيد مكانه في قلب المجتمع، لا في هامشه؟
لأن المجتمع الذي يفقد مثقفيه المستقلين لا يفقد فقط أصواتا جميلة؛ بل يفقد جزءا من قدرته على التفكير في نفسه.
وربما آن الأوان لكي نتوقف عن التصفيق للمثقف حين يكون على المنصة، ونسأله، ببساطة: أين هو حين يحتاج المجتمع إلى صوته؟












