زكية الدريوش والصيد البحري : إصلاح القطاع أم إدارة أزمة متراكمة بين وعود الحكامة واستنزاف الثروة السمكية و…؟ الجزء الرابع

إدارة الموقع6 سبتمبر 2026Last Update :
زكية الدريوش والصيد البحري : إصلاح القطاع أم إدارة أزمة متراكمة بين وعود الحكامة واستنزاف الثروة السمكية و…؟ الجزء الرابع

Loading

جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا

 

بقية الحديث … هل يكون من الظلم اختزال مشاكل الصيد البحري المغربي كلها في شخص زكية الدريوش؟
فالقطاع عرف تراكمات لسنوات، واستراتيجية «أليوتيس» نفسها انطلقت سنة 2009، أي قبل وصولها إلى المسؤولية الحكومية بسنوات طويلة ، لكن في المقابل، سيكون من غير المنطقي إعفاء مسؤولة راكمت تجربة طويلة داخل القطاع من المساءلة السياسية والإدارية عن نتائج السياسات التي شاركت في إعدادها وتنفيذها ، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل زكية الدريوش جيدة أم سيئة؟ بل: ماذا تغير في قطاع الصيد البحري خلال سنوات وجودها في مواقع القرار؟ومن استفاد من هذا التغيير؟ ومن تضرر منه؟ وهل أصبحت الثروة البحرية المغربية أكثر حماية؟ وهل أصبح البحار أكثر أمناً واستقراراً؟ وهل أصبحت السوق أكثر شفافية؟ وهل تراجعت مظاهر الصيد غير القانوني؟ وهل تقلص نفوذ الوسطاء والفاعلين الأقوياء؟ وهل أصبحت الرخص والدعم والامتيازات تخضع فعلاً لمعايير شفافة ومتساوية؟ إذا كانت الإجابة إيجابية، فذلك ينبغي أن يظهر في الأرقام ، وإذا كانت سلبية، فإن المسؤولية السياسية والإدارية يجب أن تكون موضع نقاش ومساءلة، ليس انتقاماً من شخص، وإنما دفاعاً عن ثروة بحرية هي ملك لجميع المغاربة وليست ملكاً للوبيات أو كبار المستثمرين أو الوسطاء ، فالبحر لا يميز بين غني وفقير، لكن طريقة تدبير ثروته قد تفعل ذلك. وهنا تكمن القضية الحقيقية.

وحتى نجعل مادتنا الصحفية قوية وذات مصداقية وواقعية حول اختلالات تدبير قطاع الصيد البحري، لا بد من  التفريق بين ما هو ثابت بتقارير رسمية وما هو اتهامات أو معطيات متداولة هنا وهناك تحتاج إلى تحقيق ومصادر ميدانية.
والأهم أن المجلس الأعلى للحسابات نفسه سجل حديثاً وجود ممارسات للصيد غير المرخص وغير المهيكل، من بينها استعمال شباك «السويكلة» والقوارب غير القانونية، كما أشار إلى أن نظام التتبع بالأقمار الاصطناعية لا يشمل أسطول الصيد التقليدي الذي يناهز 17 ألف قارب. والأخطر أن التقرير أورد أن دراسة للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري قدرت نسبة الصيد غير المهيكل بالنسبة للأسماك السطحية الصغيرة بنحو 35% خلال 2020–2022.
كما أن ضبط شباك محظورة ما زال يسجل في 2026؛ فقد أعلنت مصالح المراقبة ببوجدور في يوليوز الماضي عن حجز شباك «الترامبا» المحظورة على متن مركب للصيد الساحلي.
ومن المحتم والواجب أن يكون التحقيق حول الصيد البحري في هذا الاتجاه بالمغرب تحت المجهر من «البلاجيت» والشباك الممنوعة التي تتسبب في استنزاف الثروة السمكية… وضرورة معرفة أين تنتهي المخالفات وأين تبدأ مسؤولية الرقابة؟
فلم يعد النقاش حول وضعية قطاع الصيد البحري بالمغرب مقتصراً على حجم الإنتاج ومداخيل التصدير، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أكثر حساسية: هل يتم استغلال الثروة السمكية وفق قواعد تضمن استدامتها وعدالة الاستفادة منها، أم أن بعض الممارسات غير القانونية وغير المهيكلة أصبحت تهدد مستقبل القطاع؟
فالمعطيات الرسمية تكشف أن الإشكال ليس مجرد شكايات مهنية متفرقة. فقد سجل المجلس الأعلى للحسابات وجود ممارسات للصيد غير المرخص وغير المهيكل، من بينها استعمال شباك غير قانونية وقوارب غير مرخصة، إلى جانب استمرار تفريغ كميات من المصطادات خارج منظومة التتبع والتوثيق. كما أشار إلى محدودية المراقبة الميدانية والتنسيق بين المتدخلين ووجود نقط تفريغ غير مجهزة.
«البلاجيت»… ملف يحتاج إلى تدقيق
ومن بين الملفات التي تثير نقاشاً داخل الأوساط المهنية ما يعرف بـ«البلاجيت»، وما يرتبط به من اتهامات باستغلال مناطق الصيد بطرق لا تحترم دائماً القواعد المنظمة.
لكن الخطير هو أن تتحول هذه الاتهامات إلى أحكام جاهزة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يستحق التحقيق ليس فقط: من يستعمل هذه الوسائل؟ وإنما أيضاً: من يراقب؟ وكيف تتم المراقبة؟ وما حجم المحجوزات والمخالفات؟ وكم عدد الملفات التي انتهت إلى عقوبات فعلية؟
فالقطاع يتوفر على نظام للرصد عبر الأقمار الاصطناعية، وقد بلغت كلفته 92.7 مليون درهم خلال الفترة 2012–2021، وساهم في تسجيل نحو نصف مخالفات أنشطة الصيد البحري المسجلة وطنياً بين 2019 و2023. غير أن هذا النظام لا يشمل أسطول الصيد التقليدي، كما أن معطياته تظل أساساً مرتبطة بموقع السفينة وسرعتها ومسارها، ولا تقدم بالضرورة صورة كاملة عن طبيعة المصطادات وكمياتها.
الشباك غير المرخصة… صيد يلتهم المستقبل
المشكلة لا تتعلق فقط بكون بعض الشباك ممنوعة قانوناً، وإنما بما يمكن أن تسببه من أضرار على المخزون السمكي.
فاستعمال معدات غير ملائمة قد يؤدي إلى اصطياد الأسماك الصغيرة قبل بلوغها مرحلة التكاثر، وهو ما يضرب دورة تجدد المخزون. كما أن بعض طرق الصيد قد تستهدف مناطق التكاثر والتفريخ، وهو ما أشار إليه المجلس الأعلى للحسابات عند حديثه عن آثار الصيد غير المرخص وغير المنظم على استدامة المصايد.
والقانون المغربي واضح في هذا المجال؛ فقانون الوقاية من الصيد غير القانوني وغير المصرح به وغير المنظم يعرّف الصيد غير القانوني بأنه الصيد دون ترخيص أو خلافاً للقواعد القانونية والتنظيمية، كما يميز بين الصيد غير المصرح به والصيد غير المنظم.
بل إن استعمال بعض أنواع الشباك المحظورة ليس مسألة جديدة، إذ تنص النصوص المنظمة للصيد البحري على منع استيراد وصنع وحيازة واستعمال الشباك العائمة المنجرفة في البحر.

هل المشكلة في الصياد الصغير أم في منظومة كاملة؟
هنا يبرز سؤال العدالة داخل القطاع ، فمن غير المنطقي أن يتحمل الصياد التقليدي البسيط وحده تبعات الإجراءات الزجرية، بينما تظل هناك اتهامات متكررة بوجود استغلال أكبر وأكثر تنظيماً للموارد البحرية.
وقد سبق أن تناولت تقارير صحفية اتهامات بوجود مستثمرين يمتلكون أعداداً كبيرة من القوارب، لا تكون كلها مرخصة، وهي معطيات خطيرة إن ثبتت، لكنها تحتاج إلى تدقيق رسمي وميداني قبل اعتمادها كحقيقة نهائية.
ومن هنا يصبح السؤال المركزي هو ، هل تطبق المراقبة بنفس الصرامة على الجميع، أم أن حجم المركب ونفوذ مالكه وموقعه داخل المنظومة الاقتصادية للقطاع يمكن أن يؤثر في درجة المراقبة والزجر؟
إنها فرضية صحفية تستحق التحقيق، وليست حكماً مسبقاً على أي جهة. فالثروة السمكية… ثروة وطنية وليست ملكاً لفئة معينة
والمشكلة الأكبر أن استمرار الصيد غير القانوني لا يضر فقط بالأسماك، وإنما يهدد سلسلة اقتصادية واجتماعية واسعة: البحارة، العاملين في الموانئ، تجار السمك، الصناعات التحويلية، المستهلك المغربي، ومداخيل الدولة.
والأرقام التي أوردها المجلس الأعلى للحسابات حول الصيد غير المهيكل بالنسبة للأسماك السطحية الصغيرة، والتي بلغت حوالي 35% خلال الفترة 2020–2022، تطرح سؤالاً بالغ الأهمية حول حجم النشاط الذي يظل خارج منظومة التتبع والتوثيق.
لهذا فالمطلوب هو كشف الأرقام وليس الاكتفاء بالشعارات بحيث أنه إذا كانت وزارة الصيد البحري تريد فعلاً حماية الثروة السمكية، فإن الرأي العام والمهنيين يحتاجون إلى معرفة ما يلي :

كم عدد المخالفات المسجلة سنوياً؟ ما حجم المصطادات المحجوزة؟ كم عدد الشباك والمعدات المحظورة التي تمت مصادرتها؟ كم عدد القوارب التي تشتغل خارج الإطار القانوني؟ ما عدد الملفات التي أحيلت على القضاء؟ وما حجم الغرامات والعقوبات الصادرة؟ هل تتم مراقبة جميع الفئات بنفس المعايير؟ وما حقيقة ما يروج حول «البلاجيت» ومن يقف وراء استعمالها؟ وما الإجراءات المتخذة لحماية مناطق التكاثر والتفريخ؟ وهل نظام التتبع الحالي قادر فعلاً على معرفة ماذا اصطادت السفينة، وكم اصطادت، وأين اصطادت، وليس فقط أين كانت موجودة؟
وكخلاصة عامة لما تطرقنا إليه في هذه المادة التي خصصناها لقطاع الصيد البحري ، هو أن المطلوب ليس شيطنة جهة معينة في القطاع كالصيادين ولا اتهام المستثمرين بالجملة، وإنما فتح تحقيق مؤسساتي ومهني شفاف حول طرق استغلال الثروة البحرية.
فإذا كانت هناك مخالفات فردية، فالقانون كفيل بمعالجتها. وإذا كانت هناك شبكات منظمة لاستنزاف الثروة السمكية، فإن مواجهتها تصبح مسؤولية أكبر. أما إذا كانت بعض الاختلالات ناتجة عن ضعف المراقبة أو قصور في منظومة التتبع، فالمطلوب إصلاح الخلل بدل الاكتفاء بمعاقبة الحلقة الأضعف.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرح بقوة: من يحمي البحر المغربي من الاستنزاف؟ وهل تكفي القوانين وأنظمة المراقبة الموجودة، أم أن حجم الثروة المستنزفة يكشف وجود فجوة بين النص القانوني وما يحدث فعلياً في عرض البحر؟
ومن خلال التحقيق الاستقصائي المخصص لهذه الحصة يمكن أن نستنتج أن الثروة السمكية الوطنية هي تحت الضغط، وأن هناك مخاوف من الاستنزاف الفعلي لهذه الثروة الطبيعية التي حبا الله بها بلدنا المغرب ، يسوقنا إلى طرح عدة أسئلة معلقة حول الحصص والمخالفات والجهات المستفيدة و و و … وعلى سبيل المثال لا الحصر ، ليس السؤال اليوم ما إذا كان كثلا الصيد بالبيلاجيك قانونياً أم غير قانوني ، السؤال الأكثر خطورة هو:هل تتم مراقبة هذا النشاط بالصرامة التي تفرضها حساسية الثروة التي يستغلها؟

فالصيد البيلاجيك يشكل أحد المكونات المهمة لقطاع الصيد البحري المغربي، خصوصاً بالنسبة للأسماك السطحية الصغيرة، لكنه أصبح خلال السنوات الأخيرة موضوع نقاش حاد بين مهنيين وفاعلين في القطاع، في ظل الحديث عن تراجع بعض المخزونات، وضغط الصيد، وتبديد الثروة السمكية الوطنية وارتفاع الأسعار، ومخاوف من أن تؤدي بعض الممارسات إلى استنزاف مورد بحري يفترض أن يكون ملكاً لجميع المغاربة ، لا حكرا على طبقة معينة دون أخرى .

وليست نتائج هذا التحقيق الصحفي مجرد خطاب احتجاجي ، بل إن تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 سجل بالفعل وجود ممارسات للصيد غير المرخص وغير المهيكل، وأشار إلى غدة خروقات في هذا المجال …
فالبيلاجيك في المغرب إلى جانب فوضوية تسيير القطاع الواضحة بهذه الطرق السائبة وغير المنظمة يتحول إلى آلية تهدد قطاع الصيد البحري والثروة السمكية بصفة عامة وخاصة عندما يصبح البحر بلا مراقبة كافية

فتبقى الثروة السمكية تحت الضغط، والمخاوف من الاستنزاف، وأسئلة معلقة حول الحصص والمخالفات والجهات المستفيدة وأمور أخرى متداخلة في القطاع تطرح عدة شكوك على صحية المواقف والنتائج والسياسات المتبعة في هدا القطاع …
فلمن تكون المسؤولية في تخلف قطاع أو تفشي الفساد في منظومته إن لم تنسب إلى القائمين عليه والسياسة المتبعة في الإشراف عليه و تسييره لمدة ليست باليسيرة ، بل يجب البحث في الامر وتمييز مكامن الخلل وتحديد المسؤوليات وربطها بالمحاسبة ، دون غض الطرف عنها وتركها تمر مرور الكرام ، دون التأكيد على أهمية المتابعة وتحميل المسؤولية لكل متخادل في القيام بالواجب الوطني وعدم تقدير الامانة الملقاة على عاتقه ، حتى تتخذ العبرة من ذلك والإقدام في العمل على وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب والابتعاد عن العبثية في الانتقائية العشوائية المتبعة للمسؤولين لتجنب كل السلبيات التي يمكنها أن تقف حجر عثرة في طريق تنمية البلاد وتقدمها وازدهارها ؟ … وللحديث بقية …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News