![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … وهنا يصبح البرلمان، باعتباره مؤسسة للرقابة، أحد أهم المصادر التي ينبغي العودة إليها عند تقييم حصيلة كتابة الدولة.
فالسؤال ليس: هل توجد مشاكل؟ بل: هل انخفضت هذه المشاكل منذ تولي الدريوش مسؤولية القطاع؟
قضية الشكاية.. خط فاصل بين الاتهام والتحقيق
في 2026، ظهرت كذلك قضية أكثر حساسية بعدما تحدثت تقارير عن شكاية تقدم بها مستثمر في قطاع الصيد البحري، تضمنت اتهامات لأشخاص قيل إن من بينهم سائق كاتبة الدولة ، هذه القضية، وفق المعطيات المنشورة، كانت في مرحلة البحث التمهيدي، وبالتالي لا يجوز تحويل ما ورد في الشكاية إلى إدانة مسبقة لأي شخص ، لكن من جهتنا ومن الناحية الصحفية والعملية ، فإن مجرد وجود شكاية بهذا المستوى يفرض سؤالاً مشروعاً هو ، هل توجد آليات كافية لمنع استغلال النفوذ أو ادعاء استغلاله داخل قطاع شديد الحساسية؟
ولن نخوض في الجواب الذي يجب أن يأتي من التحقيق الرسمي، لا من الجانب الصحافي والإعلامي ، وذلك اعتمادا على معطيات حقيقية وواقعية وعملية ومباشرة في إطار التزود بالمعلومة وظروفها وحيثياتها …
زكية الدريوش.. بين ما تحقق وما لم يتحقق
لا يمكن، مهنياً، تجاهل ما قامت به كتابة الدولة ، فهناك عمل على تطوير التعاون الدولي، والبحث البحري، والتكوين، وتربية الأحياء المائية، ومكافحة الصيد غير القانوني، وتسويق المنتجات البحرية، وهي ملفات حاضرة في التعاون المغربي الموريتاني وفي البرامج الرسمية ، كما أن معرض “أليوتيس” يعكس مكانة القطاع في الاستراتيجية الاقتصادية المغربية، مع مشاركة دولية واستثمارات وتقنيات حديثة ، لكن كثرة المشاريع والاتفاقيات لا تعني تلقائياً نجاح الإصلاح.
الإصلاح يقاس بالنتيجة ، والنتيجة بالنسبة للمواطن هي سعر السمك ، والنتيجة بالنسبة للصياد هي دخله وحمايته ، والنتيجة بالنسبة للدولة هي استدامة الثروة ، والنتيجة بالنسبة للمستثمر هي وضوح القواعد وتكافؤ الفرص ، والنتيجة بالنسبة للأجيال المقبلة هي في الجواب عن السؤال التالي هل تركنا لهم بحراً مليئاً بالثروة أم بحراً مستنزفاً؟
فالإصلاح يحتاج إلى أرقام لا إلى شعارات ، وقد يكون من الظلم تحميل زكية الدريوش وحدها كل الاختلالات التي راكمها قطاع الصيد البحري على مدى عقود.
بحيث بحتبر القطاع معقدا للغاية ، وتتداخل فيه مسؤوليات الإدارة، والمهنيين، والموانئ، والسلطات المحلية، والرقابة، والتجارة، والبيئة، والأسواق الدولية ، لكن وجود اختلالات قديمة لا يعفي المسؤول الحالي من تقديم حصيلة واضحة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً هو: ماذا تغير فعلاً منذ تولي زكية الدريوش مسؤولية الصيد البحري؟ هل انخفض استنزاف الثروة السمكية؟ هل أصبح السمك يصل إلى المغاربة بأسعار أكثر عدلاً؟ هل تحسنت أوضاع البحارة؟ هل تراجعت السوق السوداء والوسطاء غير المنظمين؟ هل أصبحت منظومة الدعم أكثر شفافية؟ هل تحسنت السلامة البحرية؟ هل أصبحت المراقبة أكثر فعالية؟ وهل يتم نشر بيانات دقيقة تسمح للمواطن والبرلمان والصحافة بتقييم الحصيلة؟ … إذا كانت الإجابة نعم، فالأرقام قادرة على إثبات ذلك ، وإذا كانت الإجابة لا، فإن استمرار الحديث عن الإصلاح دون نتائج ملموسة سيجعل السؤال أكثر حدة: هل نحن أمام إصلاح حقيقي لقطاع الصيد البحري، أم مجرد إدارة لأزمة عمرها سنوات؟
ويبقى البحر المغربي أكبر من أي مسؤول حكومي، وأكبر من أي حكومة، لأنه ثروة وطنية لا يجوز أن تكون رهينة لاختلالات التدبير، ولا لمصالح الوسطاء، ولا لاستنزاف الموارد.
فالاختبار الحقيقي لسياسة الصيد البحري ليس عدد الاتفاقيات الموقعة، ولا عدد الاجتماعات المنعقدة، وإنما سؤال واحد: هل أصبح البحر المغربي أكثر ثراءً واستدامة، والبحار المغربي أكثر أمناً وكرامة، والمواطن المغربي أقرب إلى السمك وأقدر على شرائه؟
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى وكاعتماد لهذا العمل كأساس لتحقيق استقصائي أعمق. فلابد من مناولة حيثياته الواقعية لجعله أكثر قوة بالتطرق إلى جوانب اكثر عمقا كطرح مساءلات توضيحية بأدوات أكثر إفصاحا عن الواقع كمعرفة “أين تذهب أموال وثروة البحر المغربي؟”، مع التوضيح أكثر لها بواسطة جدول بالأرقام حول حجم الصيد، التصدير، أسعار الأسماك، مداخيل المهنيين، الدعم العمومي، وعدد البحارة، لنضفي على التحقيق الصحفي هذا صفة الشفافية العملية والواقعية والإيجابية …
بناءً على المعطيات المتاحة، وحتى يكون التحقيق نقدياً لكن مهنياً، بحيث لا يتحول إلى اتهام شخصي لزكية الدريوش، بل إلى مساءلة لحصيلة تدبير القطاع والاختلالات التي ما زالت مطروحة. ومن المهم أيضاً عرض ما تقوله الدريوش والحكومة في المقابل، خصوصاً أن كتابة الدولة تتحدث عن خارطة طريق 2025-2027، وتحديث المراقبة، وتطوير البحث العلمي وحماية المخزونات.
فباعتبار هذا التحقيق الصحفي حول الثروة السمكية، غلاء الأسماك، أوضاع البحارة، التسويق، الدعم والعدالة داخل قطاع استراتيجي ، لم يعد النقاش حول قطاع الصيد البحري في المغرب مرتبطاً فقط بحجم الأسماك المصطادة أو قيمة الصادرات، وإنما أصبح مرتبطاً بسؤال أكبر: ماذا يستفيد المواطن المغربي والبحار الصغير من هذه الثروة البحرية الضخمة؟
فالقطاع يدر مليارات الدراهم، ويشكل أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني، فيما تظل أسعار عدد من المنتجات البحرية مرتفعة بالنسبة إلى القدرة الشرائية للمغاربة، ويستمر الجدل حول مسالك التسويق، وتدبير المصايد، ووضعية الصيد التقليدي، والحماية الاجتماعية للبحارة.
وفي قلب هذه الملفات توجد اليوم زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، التي أصبحت مطالبة بتقديم إجابات عملية عن مجموعة من الإشكالات التي تتجاوز حدود التصريحات الحكومية إلى واقع يعيشه المهنيون والمستهلكون معا .
من وفرة البحر إلى غلاء السمك : فالمفارقة الأولى تبدو واضحة بحيث يعتبر المغرب بلدا بحريا بامتياز ، يمتلك واجهتين بحريتين وثروة سمكية مهمة، ويصدر كميات كبيرة من المنتجات البحرية، ومع ذلك أصبح السمك بالنسبة إلى شريحة واسعة من المغاربة مادة غذائية مرتفعة الثمن ، في الوقت الذي كانت تعتبر مادة شعبية قريبة المنال ومتواجدة بالأسواق على الصعيد الوطني .
وقد تعرضت الدريوش لانتقادات برلمانية بشأن تفسير أسباب غلاء الأسماك، بعدما ربطت الأسعار أساساً بمنطق العرض والطلب وبعوامل من بينها حالة البحر والتغيرات المناخية ، لكن هذا التفسير يفتح الباب أمام سؤال آخر: أين تبدأ مسؤولية الإدارة وأين تنتهي مسؤولية السوق؟
فالبرلمانيون والمهنيون لا يناقشون فقط كمية السمك الموجودة في البحر، وإنما يناقشون أيضاً عدد الوسطاء، ومسالك البيع، وشفافية المعاملات، ومدى احترام المنتجات البحرية للقنوات القانونية.
وقد أثير بالفعل موضوع بيع الأسماك خارج المسالك المنظمة، وهو ملف يضع منظومة المراقبة والتتبع أمام اختبار حقيقي.
الصيد التقليدي… الحلقة الأضعف؟ وإذا كان قطاع الصيد البحري يحقق أرقاماً اقتصادية مهمة، فإن السؤال الاجتماعي الذي يظل أكثر إلحاحاً هو ماذا عن الصياد الصغير؟
فالصيد التقليدي يشغل عشرات الآلاف من الأشخاص، ولذلك فإن أي اختلال في هذا القطاع لا يعني فقط خسارة اقتصادية، وإنما يعني تهديداً مباشراً لدخل أسر ومجتمعات ساحلية بأكملها.
وتشير الانتقادات البرلمانية إلى مشاكل مرتبطة بالحماية الاجتماعية، وظروف العمل، وتسويق المنتوج، والبنيات الأساسية. وهنا لا يكفي الإعلان عن برامج الدعم ، فالمطلوب هو قياس أثرها على الأرض:هل تحسنت ظروف البحارة فعلاً؟ هل أصبح الصياد الصغير أكثر قدرة على الوصول إلى السوق؟ هل تقلصت الفوارق بين كبار الفاعلين وصغار المهنيين؟ وهل أصبحت فرص الاستفادة من الدعم والرخص والاستثمارات أكثر عدالة؟
الثروة السمكية أمام امتحان الاستدامة
كما أن المشكلة الأكثر خطورة ليست غلاء السمك فقط، وإنما احتمال تراجع المخزون السمكي إذا لم تتم إدارة المصايد بطريقة علمية صارمة. كما أن كتابة الدولة تقول إن حماية الثروة السمكية أصبحت أولوية استراتيجية، وإنها تستثمر في البحث العلمي وتحديث وسائل المراقبة، بما في ذلك تطوير أنظمة تتبع السفن والتصريح الإلكتروني واستخدام كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي. كما تحدثت أيضا عن استثمار يفوق 500 مليون درهم لتطوير أسطول البحث العلمي.
لكن نجاح هذه الإجراءات ينبغي ألا يقاس بعدد الأجهزة والبرامج التي تم اقتناؤها، وإنما بالنتيجة: فهل تحسنت حالة المخزونات السمكية؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما هي المؤشرات العلمية التي تؤكد ذلك؟ أما إذا كانت بعض المصايد لا تزال تعاني ضغطاً متزايداً، فهل إجراءات المراقبة الحالية كافية؟
أليوتيس… ماذا تحقق وماذا لم يتحقق؟
منذ سنوات، شكل مخطط “أليوتيس” الإطار الاستراتيجي الأساسي لتطوير قطاع الصيد البحري.
وقد حقق القطاع بالفعل تطوراً في الصادرات والاستثمارات والتثمين الصناعي، خصوصاً في الأقاليم الجنوبية.
فالدريوش تعرض أرقاماً مهمة حول تطور الصناعات البحرية والاستثمارات ومناصب الشغل، وتؤكد أن القطاع أصبح رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، لكن وجود مؤشرات إيجابية لا يعني أن كل أهداف السياسة العمومية تحققت ، فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل استفاد الاقتصاد المغربي فقط من الثروة البحرية، أم استفاد منها المواطن أيضاً؟
فارتفاع قيمة الصادرات لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار السمك في السوق الوطنية. وزيادة الاستثمارات لا تعني بالضرورة تحسن أوضاع جميع البحارة. وارتفاع الإنتاج لا يعني بالضرورة أن توزيع القيمة المضافة أصبح أكثر عدالة.
ملف الدعم… من يستفيد؟ فالدعم العمومي يظل من أكثر الملفات حساسية.
ففي سنة 2025 أثير جدل سياسي حول منح دعم بقيمة 11 مليون درهم لمشروع في مجال تربية الأحياء المائية، وهو ما استُعمل من طرف منتقدين لطرح أسئلة حول معايير الاستفادة والشفافية وتكافؤ الفرص. وفي المقابل، قدمت الدريوش توضيحات حول طبيعة البرنامج ومصادر تمويله.
وهنا ينبغي أن يتجاوز التحقيق الاتهامات المتبادلة إلى أسئلة قابلة للتحقق مثلما يلي :
ما هي شروط الاستفادة من الدعم؟ كم عدد المستفيدين؟ ما حجم الدعم الموجه إلى التعاونيات؟ كم استفاد منه الصيد التقليدي؟ ما هي معايير اختيار المشاريع؟ هل تنشر الإدارة لوائح المستفيدين ومبالغ الدعم؟ وما هي النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها المشاريع المدعومة؟ والشفافية هنا ليست ترفاً، وإنما هي شرط لبناء الثقة.
فهل توجد فجوة بين الإدارة والمهنيين؟
تكرار طرح ملفات الصيد البحري داخل البرلمان يكشف أن القطاع لا يزال يعيش مجموعة من التوترات المهنية والاجتماعية ، وقد واجهت الدريوش خلال جلسات برلمانية انتقادات مرتبطة بأوضاع الصيد التقليدي، وتسويق الأسماك، والسلامة الاجتماعية للمهنيين. ولا يعني ذلك بالضرورة فشل كتابة الدولة، لأن كثيراً من هذه الإشكالات قديمة ومتراكمة وتعود إلى سنوات قبل تولي الدريوش مسؤوليتها الأخيرة ككاتبة للدولة مكلفة بالصيد البحري.
لكن المسؤول السياسي لا يُحاسب فقط على المشاكل التي خلقها، وإنما أيضاً على قدرته على حل المشاكل التي وجدها أمامه ، وهنا يصبح التقييم أكثر عدلاً ، فليس السؤال: هل خلقت الدريوش أزمة الصيد البحري؟ بل: هل تمكنت من تقليصها؟
بين الخطاب الرسمي والواقع
فالرواية الرسمية تتحدث عن إصلاحات، واستثمارات، وتحديث للمراقبة، وحماية للمخزون السمكي، وتطوير البحث العلمي.
أما الانتقادات فتتحدث عن غلاء الأسماك، واختلالات التسويق، وضعف وضعية بعض المهنيين، ومشاكل الصيد التقليدي، وأسئلة حول الدعم وتوزيع القيمة المضافة ، والحقيقة قد تكون في المسافة بين الروايتين.
لذلك فإن الحكم على حصيلة زكية الدريوش ينبغي ألا يكون سياسياً أو شخصياً، بل يجب أن يستند إلى مؤشرات واضحة:
المخزون السمكي ، دخل البحار ، سعر السمك ، حجم المصطادات ، نسبة التثمين المحلي ، عدد المستفيدين من الدعم ، السلامة المهنية ، شفافية التسويق.
فمن يحمي ثروة المغاربة البحرية؟
إن أكبر تحدٍّ أمام كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري ليس إنتاج خطاب جديد حول أهمية البحر، وإنما تحويل الثروة البحرية إلى منفعة اقتصادية واجتماعية ملموسة للمغاربة.
فإذا كانت الأسماك المغربية الوفيرة تصل إلى الأسواق الدولية بمليارات الدراهم، فمن حق المواطن أن يسأل: لماذا لا يستطيع المواطن البسيط شراء السمك بانتظام وبأثمنة مناسبة لقدرته الشرائية ؟
وإذا كانت الدولة تنفق على البحث العلمي والمراقبة، فمن حق الرأي العام أن يعرف: هل تحسنت بالفعل حالة الثروة السمكية؟
وإذا كانت هناك برامج للدعم والاستثمار، فمن حق المهنيين معرفة: من يستفيد؟ وبأي معايير؟ وما هي النتائج؟
أما زكية الدريوش، فإن الاختبار الحقيقي أمامها لن يكون في عدد المشاريع المعلنة ولا في عدد التصريحات البرلمانية، وإنما في قدرتها على الإجابة عن سؤال واحد وهو كالتالي ، هل يستطيع المواطن المغربي، في نهاية المطاف، أن يرى أثر ثروته البحرية في مائدته وفي دخل البحار وفي استدامة البحر نفسه؟ ذلك هو المقياس الحقيقي لأي إصلاح في قطاع الصيد البحري… وللحديث بقية …











