بقية الحديث …يبدو أن العديد من قادة الدول العربية لازالوا يجهلون أو يتجاهلون مستوى الوعي الذي صارت تتسم به شعوبهم بفضل ما أصبح العصر يزخر به من إمكانيات ووسائل للتواصل والتوعية والتثقيف وما شابه ذلك من آليات الانفتاح على الفضاءات المختلفة التي تساهم في تغذية العقول وإذكائها وجعلها تميز بين حقوقها وواجباتها ، الأمر الذي خلق لدى المواطنين سلاسة في استقبال الكم الهائل من المعلومات والمعطيات الخارجية التي كانت حكرا على ، عوالم أخرى كانت تعتبر غريبة على عالمهم ، بحكم ما تم نسجه من طرف قواد أنظمتهم العربية من خرافات وتخويف وتهديد وقمع وظلم واحتكار للسلطة و المواقف من طرف هؤلاء القادة ، الذين لم يدخروا جهدا في جعل الشعوب تنبطح لهم وتنفذ أوامرهم لتتحول إلى أجساد آلية تطبق ولا تفكر ، وذلك بضرب جميع المؤهلات التي يمكنها أن تحرك في هذه الشعوب العقلنة والتفكير في حيثيات المواقف والأمور والتعامل معها كأفراد ذاتيين وكمخلوق ذي مكونات مادية ومعنوية خلقها الله فيه ليؤدي دوره في الحياة ويتفاعل مع محيطه وبيئته .
فقد خلق الله الإنسان لحكمة ولم يخلقه عبثا ، بحيث بين ذلك في كتابه الحكيم قائلا سبحانه وتعالى : ” أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْش الكريم…”
أي أظننتم أنكم مخلوقون عبثاً بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا .
كما قال تعالى : “وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ”
فالإنسان مخلوق من مخلوقات الله، محتاج إلى سنة يسير عليها في جميع أحواله، ليسعد في الحياة الدنيا والآخرة، كما أن الله خالقه ترك له حرية الاختيار ، بعد أن كرمه بالعديد من النعم الجليلة والأوصاف الراقية كالعقل والإنسانية ليتمكن من تدبر أمره وتدبيره والاجتهاد في ذلك واختيار مصيره كما يحلو له ويخدم مصلحته ، حيث قال تعالى : “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا…”
كما قال الصحابي الجليل الفاروق عمر بن الخطاب في قولته الشهيرة بعد تشبعه القوي بمبادئ الإسلام وإيمانه الحقيقي بها، ضاربا كل مواصفات استعباد الناس وتكريس طواغيت العبودية والتسلط على بني البشر حينما انفجر كأمير للمؤمنين في وجه أحد ولاته على مصر قائلا:”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟”
فكيف لهؤلاء الحكام أن يأتوا على عصيان الله بتكريسهم لسياسة العبودية إزاء شعوبهم وتعذيبهم وإزهاق أرواحهم في حالة التجاء هذه الشعوب إلى المطالبة بحقوقهم المشروعة في الحياة والعيش الكريم ؟
ألم يوص الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم بالرعية خيرا ؟
ألم يحملا كل مسؤول مسؤولية رعيته ؟
فكما فرض الله على الناس تحقيق العدل والحق مع أنفسهم وغيرهم من بني البشر ومن ملتهم في قوله تعالى : “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ”
وقوله تعالى : “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ”
وقوله أيضا : “والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”
كما جاء كلامه جل وعلا واضحا في ضرورة اتباع أولي الأمر منهم ، قائلا سبحانه وتعالى : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ”
مقرنا ذلك بواجب الراعي على رعيته حين قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا”
مبرزا عز وجل ضرورة قيام علاقة وطيدة بين الحاكم والمحكوم والراعي ورعيته على أسس الاحترام والود المتبادلين ومسؤولية كل طرف تجاه الآخر في إطار الإيمان الراسخ بما يفرضه علينا الله عز وجل من روابط البيعة الواجبة والمسؤولية اللازمة التي تجمع بين الراعي والرعية والسعي في الحفاظ على أواصر الثقة المتبادلة.
ليؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفه من ذلك بقوله : “ألا كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته”
وتكمُن مسؤوليّات الحاكم اتّجاه رعيّته وشعبه في تَفقُّد شؤونهم، وتلبية احتياجاتهم، وتحقيق حياة كريمة لهم، وحفظهم من الأعداء، وحماية الحدود، ونشر الأمن والاستقرار، بالإضافة إلى تعيين الأكفياء والأُمناء في المناصب ممّن يَثِق في قدرتهم على تولّي زمام المسؤوليّة وحمل الأمانة، وفضّ النّزاع بين المُتشاجرين وإحقاق الحقّ بينهم، وردّ الحقوق لأصحابها؛ كي لا يسود الظّلم والاعتداء على الحقوق، بالإضافة إلى تقدير الأمور الماليّة، وما يستحقّ النّفقة فيه وما لا يستحقّ، وأداءه في وقته دون تقصير، والمُتابعة والإشراف الدّائم، ومُراقبة أعمال أصحاب السّلطة والتأكّد من أدائهم لمَهامّهم وحقوق الرعيّة.
إلا أن الحكام العرب لم ينسجموا مع الإرادة الإلهية والنسق الكوني الذي فرضه الخالق على المخلوق ، وعملوا على السير في الاتجاه المعاكس للطبيعة والقوانين التي سنها الله تعالى لتكون خير وعاء يجمع الإنسانية لتتعايش في فضائه الذي يسع الجميع في ظل التمتع بالحقوق واحترامها وتطبيق الواجبات بكل مسؤولية وموضوعية تصب في السعي في الخير العميم.
وهكذا فقد غلبت الأنا السلطوية على هؤلاء الحكام ليصعدوا إلى بروجهم التي ظنوا أنها ستحميهم من طوفان غضب شعوبهم التي ضاقت بما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المزرية … في بلدانهم والتي تضرروا كثيرا من سلبياتها دون المحظوظين من أصحاب النفوذ والمناصب العليا الذين كرسوا على المواطنين المقهورين كل أنواع الابتزاز والقهر ومصادرة حق هؤلاء المغلوبين على أمرهم بشفط ثروات البلاد وهضم حقوق العباد …وللحديث بقية .